في تغيير قد يحمل دلالات تتجاوز مجرد إعادة توزيع للمناصب داخل المؤسسة الأمنية، عيّنت طهران الجنرال السابق في الحرس الثوري محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، خلفًا لمحمد باقر ذو القدر.
رضائي، الذي قاد الحرس الثوري الإيراني لسنوات خلال الحرب الإيرانية العراقية، في ثمانينيات القرن الماضي، يُعَد من أكثر الشخصيات العسكرية والسياسية استمرارية في بنية النظام الإيراني؛ إذ تولى خلال العقود الماضية مناصب سياسية واقتصادية وأمنية عدة، كما خاض الانتخابات الرئاسية الإيرانية أكثر من مرة، من دون أن ينجح في الوصول إلى الرئاسة.
ويأتي تعيينه في منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، في وقت تواجه فيه إيران ملفات أمنية وسياسية شديدة الحساسية، على رأسها المواجهة مع الولايات المتحدة، والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، إلى جانب الخلافات الداخلية بشأن طبيعة التعامل مع واشنطن وحدود الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الدبلوماسية.
القيادي الأبرز يعود
ويُمثل رضائي نموذجًا واضحًا لما يُوصَف بـ "الحرس القديم" في النظام الإيراني؛ فقد تولى قيادة الحرس الثوري بين عامي 1981 و1997، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى العمل السياسي والمؤسساتي. كما شغل لاحقًا منصب أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام، وتولى منصب نائب الرئيس للشؤون الاقتصادية.
ويكتسب اختياره أهمية خاصة من طبيعة المجلس الأعلى للأمن القومي نفسه، إذ يُعَد إحدى أهم مؤسسات صنع القرار في إيران؛ في ملفات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية. وبينما يتولى الرئيس الإيراني رئاسة المجلس رسميًا، فإن موقع أمين المجلس يمنح صاحبه دورًا محوريًا في تنسيق أعماله ومتابعة الملفات الأمنية والسياسية الحساسة.
وبحسب محللين إيرانيين، تحدثوا لـ "نيويورك تايمز"، فإن صعود رضائي قد يشير إلى استمرار اعتماد القيادة الإيرانية على شخصيات ذات خلفية عسكرية وأمنية قوية، بدلًا من الدفع نحو انتقال أكبر للجيل الأصغر من النخب السياسية.
تغيير موازين القوى
ولا يتعلق التغيير بشخص رضائي وحده، بل قد يكون جزءًا من إعادة ترتيب لمراكز النفوذ داخل النظام الإيراني، وفقًا لما نشرته الصحيفة الأمريكية.
ويرى الباحث في الشؤون الأمنية الإيرانية حميد رضا عزيزي، أن تعيين رضائي يحمل دلالة على ترسيخ نفوذ القيادات الأمنية والعسكرية المخضرمة. كما يمكن أن يمثل، وفق هذا التقييم، محاولة لموازنة نفوذ محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وأحد القادة السابقين في الحرس الثوري، والذي لعب دورًا في المفاوضات مع الولايات المتحدة.
ويتمتع قاليباف بخبرة عسكرية وسياسية طويلة، ما يجعل وجود شخصيتين ذواتي طموح سياسي وخلفية عسكرية قوية داخل منظومة صنع القرار الأمني عاملًا قد يضيف بُعدًا جديدًا إلى صراع النفوذ داخل النظام.
وفي السياق، لا يعني تعيين رضائي بالضرورة أن السياسة الإيرانية ستتجه تلقائيًا نحو مزيد من التشدد.
فيما يرى الباحث سعيد جولكار، المتخصص في دراسة الأجهزة الأمنية الإيرانية، أن صعود شخصية بهذا الوزن العسكري والسياسي قد يؤكد، من وجهة نظره، استمرار الدور المركزي للحرس الثوري في القرارات الإستراتيجية للدولة.
منافسة محتملة
ومن بين أحد أبرز الأسئلة التي يثيرها التغيير، هو ما إذا كان وجود رضائي وقاليباف في مواقع مؤثرة سيؤدي إلى تنافس أكبر داخل دوائر السلطة. فكلا الرجلين له تاريخ طويل داخل المؤسسة العسكرية، وكلاهما خاض السباق الرئاسي في مراحل سابقة.
ويعتقد "جولكار" أن تضارب الطموحات بين الشخصيتين قد يجعل التعايش بينهما داخل الترتيبة الجديدة أمرًا مُعقّدًا.
وتأتي هذه المنافسة المحتملة في وقت تحاول فيه القيادة الإيرانية إدارة توازن دقيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية من جهة، والحكومة والمؤسسات السياسية والدبلوماسية من جهة أخرى.
ويكتسب التعيين أيضًا أهمية؛ في ظل التوتر بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والتيارات الأكثر تشددًا داخل النظام، خصوصًا بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وبزشكيان، قد تعرضا لانتقادات من التيار المتشدد؛ بسبب المساعي الدبلوماسية تجاه واشنطن. وفي السياق، انتشرت تصريحات لرجل الدين المتشدد محمد باقر خرازي، تحدث فيها عن رغبة المرشد الأعلى في إعادة ضبط عمل مجلس الأمن القومي والحد من هامش تحرك الحكومة.
غير أن مكتب المرشد الأعلى نفى الرواية التي طرحها خرازي، كما نفى مكتب الرئيس بزشكيان تلك المزاعم، ما يجعل الحديث عن وجود خطة معلنة لتقييد الرئيس أمرًا يحتاج إلى التعامل معه بحذر.