الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

الين الياباني يكشف نقاط الضعف المالية للولايات المتحدة

  • مشاركة :
post-title
الين الياباني

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة في سوق الين الياباني عن ملف يتجاوز حدود التدخل في سوق العملات، إذ ترتبط العملية بتوازنات التجارة وأسعار الفائدة وسوق سندات الخزانة الأمريكية، فضلًا عن اعتماد واشنطن على المستثمرين الخارجيين لتمويل عجزها المالي.

تدخل أمريكي

وتراجعت قيمة العملة اليابانية لأشهر، متجاوزة المستوى الذي تبرره فروق أسعار الفائدة العالمية وحدها، وطلبت اليابان المساعدة، فيما استجابت الولايات المتحدة (حليفتها الثابتة) بشراء بعض الين، ما أثار مخاوف المضاربين.

وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، تعهدت واشنطن باتخاذ مزيد من الإجراءات المشتركة إذا لم يتحسن وضع السوق، وقد تنجح الخطة، رغم أن سوق العملات كثيرًا ما أحبطت محاولات إخضاعها للتدخلات.

حتى الآن، يبدو التدخل تعبيرًا عن التضامن الأمريكي مع اليابان، وتذكيرًا بأن الولايات المتحدة تستطيع -على المدى القصير على الأقل- التأثير في سوق العملات، وهي أكبر سوق مالية على مستوى العالم.

لكن وراء العملية مجموعة من التوترات التي تتطلب اهتمامًا يتجاوز نطاق خبراء العملات، إذ تمس الحادثة تناقضات اقتصادية رئيسية للولايات المتحدة، إلى جانب مواطن ضعفها وحدود قدراتها.

ومن بين نخبة مراقبي الأسواق العالمية، لا يحظى التفسير الأمريكي للتدخل في عملة بعيدة باقتناع واسع، وفي مقابلة مع صحيفة "نيكي"، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن شراء الين استهدف تقليل مخاطر أزمة عملات آسيوية أوسع.

مخاطر آسيوية

قال "بيسنت" إن "العديد من العملات الآسيوية تتبع الين الياباني"، ويصعب تصديق أن أزمة مماثلة لأزمة عام 1998 كانت مطروحة فعليًا، لكن بيسنت محق في الإشارة إلى أن بعض العملات الآسيوية الكبرى تتراجع منذ فترة.

ويشير كيت جوكس، محلل العملات في سوسيتيه جنرال، إلى أن اليابان والصين وكوريا الجنوبية تمثل مجتمعة نحو 18% من التجارة الأمريكية، بينما انخفضت قيمة عملاتها بنحو 9% خلال العقد الماضي.

ويمثل ضعف العملات الآسيوية مشكلة للولايات المتحدة على أكثر من مستوى، فهو يجعل صادرات المنطقة أرخص بكثير، وفي المقابل يجعل الواردات من الولايات المتحدة أكثر تكلفة.

كلفة الين

لطالما صورت الولايات المتحدة ضعف العملات الآسيوية باعتباره شكلًا من أشكال الميزة التصديرية غير العادلة، لكن محاولات تصحيح الوضع تترتب عليها تبعات وخيمة على الولايات المتحدة أكثر من آسيا.

وتستطيع اليابان رفع قيمة الين بشكل ملحوظ بإحدى طريقتين: رفع أسعار الفائدة اليابانية بصورة كبيرة، أو بيع كميات هائلة من سندات الخزانة الأمريكية التي تمتلكها.

ويمثل رفع أسعار الفائدة خيارًا محفوفًا بالمخاطر لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية، كما يجعله السندات الحكومية اليابانية خيارًا استثماريًا أكثر جاذبية للمستثمرين المحليين وحتى العالميين، مقارنة بسندات الخزانة الأمريكية.

أما إذا زادت اليابان مبيعاتها الكبيرة بالفعل من الأصول الأمريكية، فإن ذلك سيضر الولايات المتحدة مباشرة، من خلال انخفاض أسعار السندات الأمريكية وارتفاع تكاليف الاقتراض الأمريكي.

حاجة واشنطن

تتمثل الحقيقة في أنه رغم الضجيج الإعلامي المحيط بالتجارة والدفاع والجغرافيا السياسية، تحتاج الولايات المتحدة إلى أصدقاء وحلفاء، كما تحتاج إلى أن يشتري العالم سنداتها، ولا تستطيع تحمل تجنب القوى الخارجية شراء تلك السندات أو حتى بيعها.

وتعتمد الولايات المتحدة على الأموال المقترضة، متجاوزة بذلك بفارق كبير الاقتصادات المتقدمة الأخرى من حيث حجم عجزها المالي، وفي مطلع العام الماضي، أوضح بيسنت أن خفض عوائد السندات كان محورًا رئيسيًا لإدارة ترامب الثانية.

وتساءل بيسنت، وفق "فايننشال تايمز" في وقت لاحق من ذلك العام: "أين تكمن مخاطر السوق؟"، وكان السؤال مرتبطًا حينها بسوق سندات أمريكية بدت متفائلة للغاية، مع انخفاض تكاليف الاقتراض القياسية الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4%.

مكسب ياباني

تستفيد اليابان من هذا التدخل المشترك (النادر للغاية) لتعزيز الين، ويؤدي ضعف العملة اليابانية إلى ارتفاع أسعار الواردات وتفاقم التضخم، ولذلك فإن نجاح الولايات المتحدة في إبطاء هذا التراجع أو حتى وقفه سيكون مكسبًا لليابان.

لكن التدخل الأمريكي في الين يبدو مدفوعًا بمصلحة ذاتية عقلانية، ويظهر ذلك في أن المستفيد الحقيقي من العملية هو الولايات المتحدة، وهو ما يتضح من حقيقة أن أي تدخلات مستقبلية ستمر عبر آلية تابعة للاحتياطي الفيدرالي تحد من المبيعات الفورية لسندات الخزانة.

ومن جهة، يمثل التدخل جهدًا لمساعدة اليابان في وقت حاجتها، إلا أن أثره الجانبي يتمثل في تذكير العالم بمكان ضعف الولايات المتحدة الحقيقي، وفق "فايننشال تايمز".