لم تعد التهديدات التجارية الأمريكية تُحدِث الأثر ذاته الذي كانت تُحدِثه قبل عام، فحين أعلن الرئيس دونالد ترامب عزمه فتح تحقيق تجاري ضد الاتحاد الأوروبي ردًا على غرامة جوجل البالغة مليار دولار، ثم أضاف إليها تعريفات جمركية جديدة وضغوطًا على أسعار الأدوية، جاء الرد الأوروبي هادئًا ومحسوبًا بشكل لافت، وهو ما كشفت عنه صحيفة بوليتيكو في تحول جوهري في إستراتيجية بروكسل، من القلق المحموم إلى الصبر الإستراتيجي.
حين كانت أوروبا تُفزعها التغريدة واليوم لا تُحرِّكها
رصدت بوليتيكو أنه قبل عام كانت العواصم الأوروبية تنتفض لكل تهديد أمريكي، وتتسابق للرد علنًا على كل تصريح من واشنطن، أما اليوم فتروي الصحيفة مشهدًا مختلفًا تمامًا، إذ باتت بروكسل تتجنب عمدًا كل ما من شأنه أن يُغذي أسلوب ترامب المفضل في المواجهة العلنية.
وبحسب بيرند لانجه، عضو البرلمان الأوروبي الألماني ورئيس لجنة التجارة الدولية، فإن مقاربة المفوضية اليوم تقوم على "إستراتيجية شراء الوقت عبر الحوار"، مبتعدةً عن أي التزامات مُلزِمة قانونيًّا لصالح منتديات التشاور والحوار التقني.
ويُفسر دميتري جروزوبينسكي، الدبلوماسي التجاري الأسترالي السابق ومؤسس منصة ExplainTrade في جنيف، هذا التوجه بقوله لبوليتيكو إن بروكسل "تسعى من الناحية التنظيمية والتكتيكية إلى نقل أكبر قدر ممكن من النقاشات إلى المستوى التقني، بدلًا من تركها في مواجهة مكشوفة بين ترامب وأحد ما على تويتر".
اتفاقية تيرنبيري والسلاح المزدوج في يد بروكسل
تعود بوليتيكو إلى الهدنة التجارية، التي أُبرمت العام الماضي في منتجع تيرنبيري الإسكتلندي، لفهم هذا التحول، إذ التزم الاتحاد الأوروبي بجملة من التنازلات، ووفى بجزء منها في يونيو الماضي، حين أصدر تشريعًا يُتيح دخول السلع الصناعية الأمريكية وبعض المنتجات الزراعية معفاةً من الرسوم.
وأقرّ مسؤول في مكتب الممثل التجاري الأمريكي، تحدث لبوليتيكو بشرط عدم الكشف عن هويته، بأن بروكسل نفذت "التزامات جوهرية" من الاتفاقية.
غير أن ما لم يقله المسؤول هو أن التشريع الأوروبي ذاته يحمل في طياته آليات حماية تُفعَّل تلقائيًا إن تجاوزت واشنطن الخطوط الحمراء المتفق عليها، وهو سلاح صامت تحتفظ به بروكسل دون أن ترفعه في وجه أحد.
الخط الأحمر الذي لا تفاوض عليه
تكشف بوليتيكو أن المرحلة الجديدة من الحرب التجارية باتت تمس ما يعده الأوروبيون جوهر سيادتهم، إذ إن تحقيقات واشنطن في أسعار الأدوية الأوروبية، التي يقودها الممثل التجاري الأمريكي جيمسون جرير مستهدفًا ألمانيا أولًا مع تلويح بتوسيعها لتشمل فرنسا وإيطاليا، إلى جانب الضغوط على سياسات الرقمنة والمنافسة الرقمية، كلها ملفات تقع في صميم ما تعتبره بروكسل شؤونها الداخلية. ويُلخص يرومين زيتلماير، رئيس مركز أبحاث بروجل ببروكسل والمسؤول السابق في صندوق النقد الدولي، هذه المعادلة لبوليتيكو بقوله: "سواء تعلق الأمر بالضرائب أو الرعاية الصحية أو سياسة المنافسة، فهذه مجالات تراها أوروبا جوهر استقلاليتها".
وتؤكد بوليتيكو أن برلين على تواصل وثيق مع بروكسل حول هذه الملفات، وأن ديتي يول يورجنسن، رئيسة دائرة التجارة في المفوضية، التقت أخيرًا بمسؤولين ألمان في برلين لبحث مسار ملف الأدوية، وهو اجتماع يعكس التنسيق المحكم الذي تديره بروكسل بعيدًا عن الأضواء.
الرهان على انتخابات نوفمبر
تكشف بوليتيكو أن الرهان الأوروبي الأعمق هو على الزمن السياسي الأمريكي ذاته، فمع تراجع شعبية ترامب في استطلاعات الرأي، والجدل المثار حول ملف إيران، والانتكاسات القانونية في المحكمة العليا التي ألغت بعض تعريفاته الأشمل، بات الأوروبيون يرون في انتخابات التجديد النصفي المرتقبة فرصةً لتخفيف نفوذه.
وتُشير بوليتيكو إلى أن المستشار الألماني فريدريش ميرز ليس في عجلة لتقديم تنازلات بشأن أسعار الأدوية، إذ تتوقع برلين أن تستغرق التحقيقات الأمريكية عامًا كاملًا على أقل تقدير، غير أن هذه الإستراتيجية كلها تظل رهينةً بمتغير واحد لا يمكن التنبؤ به، لخصه مسؤول في المفوضية لبوليتيكو في جملة واحدة: "لا يمكننا إرخاء الحذر، ترامب قد يغيّر مساره في أي لحظة، فتركيزه على ردود فعل الأسواق، لا على سلوك الاتحاد الأوروبي".