واجه المدير الفني لمهرجان فينسيا السينمائي ألبرتو باربيرا، موجة من الانتقادات من عدد من المنظمات السينمائية الإيطالية، من بينها منظمة "نساء في السينما والتلفزيون" ومنظمة "ميديا إيطاليا"، عقب إعلان قائمة أفلام الدورة الجديدة للمهرجان، التي شهدت تراجعًا حادًا في تمثيل المخرجات، بعدما ضمت المسابقة الرسمية المؤلفة من 20 عملًا، فيلمًا واحدًا فقط من إخراج امرأة.
وانتقدت المنظمات الاختيارات الإيطالية للمهرجان، مشيرة إلى أن السينما الإيطالية يمثلها سبعة مخرجين رجال في المسابقة الرسمية وخارجها وعلى المسرح الرئيسي للمهرجان، معتبرة أن هذا الاختيار "أحادي البعد وذكوري بالكامل".
وفي بيان نُشر اليوم الاثنين، في صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية، وأُعيد نشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، أكدت المنظمات أن مفهوم الجودة الفنية ليس معيارًا محايدًا أو ثابتًا، بل هو نتاج رؤية وثقافة وخيال وسياق تاريخي، وجاء في البيان: "الجودة ليست فئة إلهية، محايدة، موضوعية، معلقة فوق التاريخ، نحن ندرك تمامًا أنها مفهوم متغير ومتطور، وأن الفن ساحة معركة مصنوعة من الأجساد والدموع والدماء والقوة، وليس مجالًا سماويًا خالصًا ترفرف فيه الملائكة".
وأضاف البيان أن كل اختيار فني يعكس نظرة وثقافة وخطًا تحريريًا وتفضيلات وقيودًا وأخطاء، معتبرًا أن الاعتقاد بإمكان فصل الجودة عن هذه العوامل يتجاهل الكيفية التي يبنى بها التراث الثقافي ومصدر الفن.
وتابع الموقعون على البيان: "لهذا السبب تحديدًا، يجب أن تخضع المعايير التي نحكم بها على الجودة للمراجعة المستمرة، فعندما تكون النتيجة، عامًا بعد عام، تمثيلًا غير متوازن بشكل كبير، لا يمكننا ببساطة أن نستنتج أن المخرجات ليس لديها كفاءة، بل يجب أن نتساءل عما إذا كانت الأدوات التي نشاهد من خلالها السينما لا تزال مناسبة لعصرنا الحالي".
وضم الموقعون على النداء أيضًا جمعيتي المخرجين السينمائيين الإيطاليين ANAC و100autori، اللتين تقفان وراء فعاليات "أيام فينسيا " أو (Giornate Degli Autori)، بجانب نقابة المخرجين الإيطاليين Air3، والشبكة الأوروبية للمرأة في مجال السمعيات والبصريات، ومنظمة المخرجين الوثائقيين الإيطاليين Doc/it.
وبغض النظر عن وجود فيلم واحد فقط من إخراج امرأة في المسابقة الرسمية، فيلم الدراما "امرأة مجهولة" للمخرجة الدنماركية المصرية مي الطوخي، فإن هذه النسبة تُمثل تراجعًا كبيرًا مقارنة بالدورة الماضية، التي شهدت مشاركة ستة أفلام من إخراج نساء من أصل 21 فيلمًا، بنسبة قاربت 29%.
في المقابل، جاء قسم "آفاق فينسيا"، المخصص للأصوات الصاعدة والأعمال الرائدة، أكثر توازنًا، إذ يضم ثمانية أفلام من أصل 19 فيلمًا من إخراج نساء، بما يمثل نحو 42% من إجمالي أفلام القسم.
وردًا على الانتقادات، قالت ألبرتو باربيرا، في مقابلة مع مجلة "فارايتي" عقب إعلان القائمة الرسمية للأفلام، إنها لا تعتقد أن إدارة المهرجان يمكن اتهامها بالتحيز ضد المخرجات، مشيرة إلى أن مهرجان فينسيا منح، منذ عام 2000، جوائزه الكبرى لمخرجات أكثر من مهرجاني كان وبرلين.
وخلال السنوات الخمس الماضية، فازت ثلاث مخرجات بجائزة الأسد الذهبي، هن كلوي تشاو عن فيلم "نومادلاند" عام 2020، وأودري ديوان عن فيلم "هابينينج"، ولورا بويتراس عن الفيلم الوثائقي "كل الجمال وإراقة الدماء" عام 2022.
كما حصلت المخرجة الإيطالية ماورا ديلبيرو، العام الماضي، على جائزة الأسد الفضي الكبرى للجنة التحكيم عن فيلم "فيرميجليو".
وأشارت باربيرا كذلك إلى أن رؤساء لجان التحكيم الرئيسية الثلاث هذا العام جميعهن من النساء، إذ تترأس الممثلة والمخرجة الأمريكية ماجي جيلينهال لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، فيما تترأس المخرجة والممثلة وكاتبة السيناريو الفرنسية فاليري دونزيلي لجنة تحكيم قسم "آفاق"، بينما تترأس كاتبة السيناريو والمخرجة الإيطالية كارولينا كافالي لجنة تحكيم جائزة لويجي دي لورينتيس لأفضل فيلم روائي أول.
وأوضحت باربيرا أن إدارة المهرجان كانت تأمل في العثور على عدد أكبر من الأفلام، التي أخرجتها نساء للمشاركة في المسابقة الرسمية، إلا أن عدد الأفلام المقدمة كان أقل، لافتة إلى أن الأفلام الروائية التي أخرجتها نساء شكلت 24% من إجمالي المشاركات هذا العام، مقابل 30% في العام الماضي.
وأضافت أن مستوى جودة هذه الأفلام، بحسب تقييم لجنة الاختيار، كان أقل، ما حال دون إدراج عدد أكبر منها في المسابقة، مؤكدة أن ذلك أمر مخيب للآمال، لكنه لا يعكس أي تحيز من جانب إدارة المهرجان، وأن "المعيار الوحيد الصارم الذي نتبعه هو جودة الأفلام".
وشددت باربيرا على رفضها اختيار الأفلام بناء على النوع الاجتماعي، معتبرة أن ذلك لا يخدم المخرجات، بل قد يكون مهينًا لهن إذا اعتقد أن اختيارهن جاء لكونهن نساء وليس استنادًا إلى جودة أعمالهن، مضيفة: "إذا أخطأنا بعدم اختيار فيلم من إخراج امرأة، فسيحكم الناس على ذلك بعد مشاهدة الأفلام".
وفي المقابل، تميز قسم "أيام فينسيا" المستقل، الذي تشرف عليه جايا فورر، بحضور نسائي لافت، إذ يضم 14 فيلمًا من إخراج نساء من أصل 25 فيلمًا في اختياره الرئيسي، ويفتتح فعالياته بفيلم "مذكراتي على المريخ"، أول فيلم باللغة الإنجليزية للمخرجة المجرية ليلي هورفات، بطولة ماكنزي ديفيس وروبرت فريند.
أما قسم "أسبوع النقاد"، المخصص للأعمال الأولى من مختلف أنحاء العالم، فيضم فيلمين من إخراج مخرجتين ضمن سبعة أفلام روائية تتنافس في المسابقة.
ومن المتوقع أن تظل اختيارات ألبرتو باربيرا، التي هيمن عليها المخرجون الرجال في المسابقة الرسمية، محورًا للنقاش طوال فعاليات مهرجان فينسيا السينمائي، المقرر إقامته خلال الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر 2026.