دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الحرب مع إيران بأهداف واسعة، من بينها إنهاء البرنامج النووي الإيراني وإسقاط النظام، لكنه بعد أشهر من القتال يجد نفسه أمام خيارات محدودة للخروج من الصراع.
وتتفاقم أزمة ترامب في ظل عدم تحقيق أهدافه بالكامل، واستمرار قدرة طهران على الرد، وارتفاع أسعار النفط، وتراجع مخزونات الولايات المتحدة من صواريخ الاعتراض، ما دفعه إلى التراجع عن تصعيد عسكري واسع رغم تهديداته المتكررة، ليواجه معضلةً بين مواصلة الحرب، وتشديد الضغوط الاقتصادية، أو إعلان تحقيق النصر والانسحاب، بحسب تحليل نشرته صحيفة "نيويورك تايمز " الأمريكية.
أهداف متعثرة
أظهر مسار الحرب أن الأهداف التي حددها ترامب عند بدء العمليات العسكرية في 28 فبراير لم تتحقق بالكامل، إذ كان الرئيس الأمريكي يراهن على استخدام القوة الساحقة لإنهاء البرنامج النووي الإيراني بسرعة، إلى جانب الدفع نحو تغيير النظام في طهران، لكنه بات أكثر ترددًا في العودة إلى عمليات عسكرية واسعة، بعدما خلصت أجهزة الاستخبارات الأمريكية إلى أن مثل هذه الضربات قد لا تحقق النتائج التي يريدها.
وأبرزت التطورات خلال الأسابيع الأخيرة حدود القوة العسكرية الأمريكية، إذ لم يتمكن ترامب من السيطرة على ارتفاع أسعار النفط أو تداعياته على الأسواق المالية، كما تراجعت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي تمر من خلاله نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية، إلى جانب ظهور تهديدات جديدة لحركة الملاحة في المنطقة الممتدة بين البحر الأحمر وخليج عدن.
خيارات صعبة
واجه ترامب ثلاثة خيارات رئيسية للخروج من الحرب، تمثلت في التصعيد العسكري، وتشديد الضغوط الاقتصادية، أو إعلان تحقيق النصر والانسحاب، لكن كل مسار يحمل مخاطر سياسية وعسكرية واقتصادية مختلفة، وفق التحليل.
وتراجع الرئيس الأمريكي، الجمعة، عن العودة إلى عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، بعدما كان قد أشار طوال الأسبوع إلى استعداده لاستئناف القتال، وجاء القرار بعد تحذيرات من أن قصفًا مكثفًا قد يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، ويزيد من معاناة الإيرانيين، دون أن يضمن دفع طهران إلى العودة لمفاوضات جادة.
وأضاف التحليل أن أحد أسباب تردد ترامب قد يكون مرتبطًا بتراجع مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية، إذ أشارت تقديرات سابقة إلى استهلاك جزء كبير من مخزون بعض الأنظمة الرئيسية، بينما حذر مسؤولون من أن المخزونات وصلت، بعد أسابيع من الهجمات المتبادلة، إلى مستويات حرجة، ما قد يؤثر في قدرة واشنطن على حماية قواتها وحلفائها في المنطقة.
ضغوط اقتصادية
اعتمد الخيار الثاني على تشديد العقوبات والضغوط الاقتصادية، خصوصًا من خلال الحد من صادرات النفط الإيرانية وتشديد الحصار على حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أملًا في دفع الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار وإجبار القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات.
لكن هذا المسار يحتاج إلى وقت طويل لتحقيق نتائجه، كما أن ترامب سبق أن توقع انهيار الاقتصاد الإيراني منذ انسحابه من الاتفاق النووي في عام 2018 وفرض عقوبات واسعة على طهران، إلا أن النظام الإيراني استمر في الحكم، فيما لا تزال لديه قدرات عسكرية ونووية محتملة.
ويرى التحليل أن نجاح استراتيجية الضغط الاقتصادي قد يتطلب وجودًا عسكريًا أمريكيًا مستمرًا ومكلفًا، مع احتمال تجدد المواجهات بين واشنطن وطهران، وهو ما قد يؤدي إلى سقوط مزيد من القتلى الأمريكيين وزيادة الهجمات على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج.
مخرج سياسي
تمثل الخيار الثالث في إعلان تحقيق النصر والانسحاب من الحرب، وهو المسار الذي بدا ترامب أقرب إليه قبل شهر، عندما وافق على اتفاق لوقف إطلاق النار، مبررًا قراره برغبته في تجنب أزمة اقتصادية عالمية ونقص محتمل في إمدادات النفط.
لكن الانسحاب قد يترك إيران محتفظة بجزء من قدراتها النووية، مع بقاء منشآت الوقود النووي مدفونة تحت الأنقاض، إلى جانب استمرار نفوذها الفعلي على مضيق هرمز، ما يعني أن ترامب قد ينهي الحرب من دون معالجة الأسباب التي دفعته إلى خوضها، بل وربما يترك خلفه أزمة جديدة في أسواق الطاقة العالمية.
وأظهر انهيار وقف إطلاق النار السابق صعوبة الوصول إلى تسوية مستقرة، إذ بدا أن الأطراف الإيرانية التي تفاوضت على الاتفاق تواجه خلافات مع الحرس الثوري، الذي واصل استهداف السفن التي رفضت استخدام الممر الذي تسيطر عليه إيران في مضيق هرمز، ما عكس استمرار التوتر بين المسار الدبلوماسي والتحركات العسكرية.
وخلص التحليل إلى أن ترامب، الذي طالما قدم نفسه باعتباره رئيسًا لا تحده القيود، يواجه حاليًا حدودًا واضحة لقوته، بعدما دخل الحرب من دون استراتيجية محددة لتحقيق نصر نهائي، ليجد نفسه أمام معضلة الخروج منها دون أن يبدو مهزومًا، في وقت تزداد فيه الضغوط الداخلية لإنهاء الصراع، بينما لا يزال تحقيق أهداف الحرب الأساسية بعيدًا عن الحسم.