لم تكن الساعات التي عاشتها قرية تل، جنوب غربي مدينة نابلس، مجرد مواجهة عابرة بين فلسطينيين ومستوطنين، بل تحولت إلى واحدة من المجازر الدموية في الضفة الغربية (المحتلة) خلال الأشهر الأخيرة.
فبعد مجزرة أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين، دخلت البلدة مرحلة جديدة من الحصار والاعتقالات وتجريف الأراضي الزراعية وإحراق المنازل، فيما تكشف تصريحات خاصة، حصل عليها موقع "القاهرة الإخبارية" من مسؤولين فلسطينيين، تفاصيل الساعات التي سبقت الهجوم، وكيف تطورت الأحداث، وما أعقبها من إجراءات إسرائيلية لا تزال تلقي بظلالها على البلدة حتى اليوم.
كان مستوطنون، بمساندة قوات الاحتلال الإسرائيلي، نفّذوا صباح أمس الجمعة هجومًا واسعًا على قرية تل، أسفر عن استشهاد أربعة فلسطينيين، بينهم أشقاء، وإصابة آخرين، بعد اقتحام مستوطنين البلدة وإطلاق الرصاص الحي باتجاه السكان، وفق ما أعلنته مصادر فلسطينية.
شرارة التصعيد
كشف نائب رئيس بلدية تل، منذر زيدان، في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن: "البلدة شهدت تصعيدًا خطيرًا بدأ بهجمات نفذها مستوطنون على أطرافها، قبل أن يتطور إلى مواجهات دامية أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة 3 آخرين".
وأوضح أن الهجوم بدأ صباح أمس الجمعة من الجهة الشرقية للبلدة، بعدما كان مستوطنون قد أقدموا، خلال ساعات الليل، على إحراق منزل المواطن صهيب رضوان رمضان في الجهة الغربية، بينما كان بداخله مع أفراد أسرته، الذين تمكنوا من النجاة.
وأشار "زيدان" إلى أن حادثة إحراق المنزل، إلى جانب تكرار اعتداءات المستوطنين خلال الفترة الماضية، دفعت الأهالي إلى البقاء في حالة تأهب تحسبًا لأي هجوم جديد.
وصول الجيش غيّر مسار المواجهة
وأضاف زيدان أن المستوطنين انتقلوا لاحقًا إلى الجهة الجنوبية من البلدة، حيث هاجموا عددًا من المنازل، قبل أن يتصدى لهم المواطنون.
وقال إن المواجهات كانت توشك على الانتهاء، إلا أن وصول قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى المنطقة منح المستوطنين شعورًا بالحماية، وشجعهم على استئناف الاعتداءات، لتتجدد الاشتباكات بصورة أكثر عنفًا.
وأوضح أن "الشهيد فاروق رمضان الذي ذاع صيته وعرف ببطل واقعة قرية تل، حاول في بداية الأحداث تهدئة الأوضاع وفض الاشتباك بين الأهالي والمستوطنين، إلا أن أحد المستوطنين أطلق النار على ابن عمه، ما أدى إلى تجدد المواجهات بين المواطنين من جهة، والمستوطنين وقوات الاحتلال من جهة أخرى".
وأضاف "زيدان" أن فاروق رمضان تمكن من انتزاع سلاح أحد المستوطنين وإطلاق النار عليه، ما أدى إلى مقتله، قبل أن تفتح قوات الاحتلال النار بكثافة على المواطنين، وهو ما أسفر -بحسب روايته- عن استشهاده وثلاثة من أبناء عائلته، وإصابة ثلاثة آخرين بجروح بالغة.
وأشار إلى أن جيش الاحتلال أعلن لاحقًا مقتل جنديين إثر هذه العملية البطولية التي نفّذها الشيخ رمضان، فيما أبلغت سلطات الاحتلال ذوي الشهداء بتسليم جثامينهم، لتُشيع الجنازات عند الساعة الواحدة فجرًا، بحضور عدد محدد من المشيعين لم يتجاوز ثلاثين شخصًا.
البلدة تحت الحصار
من جانبه، قال محافظ نابلس، غسان دغلس، في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية"، إن قوات الاحتلال فرضت طوقًا عسكريًا كاملًا على البلدة، ومنعت السكان من التنقل، كما أفسدت احتفالات طلبة الثانوية العامة بإعلان نتائجهم، إلى جانب مصادرة كاميرات المراقبة وتنفيذ حملات اعتقال متكررة.
وأضاف أن جرافات الاحتلال واصلت حتى الساعة الواحدة فجرًا تجريف الأراضي الزراعية، واقتلعت نحو 1500 شجرة، وأحرقت مساحات زراعية واسعة، فضلًا عن تكسير أكثر من خمسة منازل وإحراق منزل آخر.
وأشار "دغلس" إلى أنه رغم انسحاب قوات الاحتلال من البلدة، فإنها لا تزال تنفذ اقتحامات متكررة، وتواصل الوصول إلى موقع المجزرة بصورة مستمرة.
مخاوف من إقامة بؤرة استيطانية
وفي تطور جديد، قال زيدان إن مستوطنين نصبوا خيمة في موقع المجزرة، على بعد نحو خمسين مترًا فقط من منازل الفلسطينيين، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل بداية لإقامة بؤرة استيطانية جديدة في المنطقة.
وأضاف أن قوات الاحتلال نفذت حملة اعتقالات طالت مواطنين لم يكونوا موجودين أصلًا في موقع الأحداث، مشيرًا إلى أن أحد المعتقلين تم إيقافه أثناء توجهه إلى المستشفى للاطمئنان على شقيقه المصاب.
كما أجرت قوات الاحتلال، بحسب زيدان، أعمال مسح هندسي لمنزل الشهيد فاروق رمضان تمهيدًا لهدمه، واعتقلت نحو ستين شابًا وفتى، واستولت على منزل أحد المواطنين بزعم استخدامه مركزًا للتدريب على الأعمال القتالية، فيما أُفرج لاحقًا عن عدد من المعتقلين، بينما لا يزال 19 آخرون رهن الاعتقال.
وفي محاولة لرصد شهادات مباشرة من داخل البلدة، حاول موقع "القاهرة الإخبارية" التواصل مع أحد المصابين وعدد من شهود العيان، إلا أنهم امتنعوا عن الإدلاء بأي تصريحات، خشية تعرضهم أو أفراد عائلاتهم للملاحقة أو الانتقام من قبل قوات الاحتلال.
نداء للتحرك الدولي
وفي ختام حديثيهما، وجّه كل من محافظ نابلس ونائب رئيس بلدية تل نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي، مطالبين بتدخل فوري لحماية المدنيين الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال.
وقال "دغلس" إن البلدة تعاني من تقاعس المجتمع الدولي والمنظمات الدولية عن القيام بدورها، داعيًا إلى إرسال بعثات دولية لتوثيق ما جرى والاطلاع ميدانيًا على حجم الدمار والخسائر التي خلفتها الاعتداءات.
وأضاف: "نوجه رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن صمتكم إزاء هذه الاعتداءات هو ما أعطى الاحتلال الإسرائيلي الضوء الأخضر لمزيد من الاعتداءات على أبناء الشعب الفلسطيني، نطالبكم بتحرك عاجل وفعّال لتوفير الحماية للمدنيين ووضع حد لهذه الانتهاكات قبل فوات الأوان".
من جهته، رأى "زيدان" أن سلطات الاحتلال تستغل هذه الأحداث الدامية في سياق الدعاية للانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل، وهي الأولى منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وذلك من خلال إطلاق وعود بتشديد الإجراءات العسكرية ضد الفلسطينيين، وتوسيع العمليات في قرى الضفة الغربية، وفرض السيادة الإسرائيلية عليها.