تتواصل الكارثة في فرنسا مع اشتعال جبهات حرائق متعددة في وقت واحد، إذ كشفت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن أكثر من 44 ألف هكتار (108,724 فدانًا) التهمتها النيران منذ مطلع عام 2026، متخطيةً بذلك مجمل ما احترق طوال السنة الماضية بأكملها، وبينما تتصاعد أعمدة الدخان من الفار وجيروند وهوت-كورس في آن واحد، سقط ثلاثة رجال إطفاء قتلى هذا الموسم، وتُطلق النقابات صرخة استغاثة من إرهاق بشري يهدد بانهيار المنظومة كلها.
النيران تحاصر الجنوب
أوردت "لوموند" أن حريق الفار اندلع الثلاثاء الماضي، من حقل زراعي في مدينة بونتيف الجنوبية ليتحول في ساعات إلى وحش لاهب يبتلع جبل جروس بيسيلون ويمتد نحو سلسلة من القرى، بل وأجبر الحريق نحو 400 شخص على النزوح من كوتينياك وكوران ومونفور-سور-أرجون، فيما أحاط اللهب بستين منزلًا ودمّر عشرة منها كليًا.
وعلى الرغم من حشد 1100 رجل إطفاء قادمين من عشرات الأقسام الفرنسية، إلى جانب طائرتَي كنادير وثلاث مروحيات قاذفة للمياه، أكد العقيد فيليب ريزون، نائب رئيس الإطفاء في المنطقة، أن الهدف لا يزال مجرد "احتواء النار" لا إخمادها.
وأشارت مصادر "لوموند" إلى أن تحسنًا طفيفًا مرتقبًا مع انخفاض الرياح ليل الأربعاء، قد يُعقبه يومٌ جديد من الخطر الشديد يوم الخميس مع عودة رياح الميسترال في المنتصف.
حريق "نادر الضراوة"
رصدت "لوموند"، نقلًا عن وكالة فرانس برس، أن النقيب ويلفريد شنايدر وصف حريق جيروند بأنه "نادر الضراوة"، إذ تضاعفت مساحته ست مرات في أقل من ثلاث ساعات متجاوزًا 1400 هكتار (3333.3 فدان) في غابة لاند دو جاسكون — الغابة ذاتها التي دمرتها نيران 2022 وأُجلي منها 50 ألف شخص آنذاك.
وبلغ عدد الذين تم إجلاؤهم هذه المرة 4600 شخص، من بينهم أكثر من 3000 نزيل في مخيم لاكانو، فضلًا عن إخلاء مخيم للمسافرين في لو بورج.
وطالبت مفوضة جيروند، صوفي بروكا "بإلحاح" 600 شخص آخرين بالمغادرة الفورية، قائلةً: "لا خطر داهمًا الآن، لكن عليكم التحرك الآن".
وأوضح مدير خدمة الإطفاء مارك فيرمولان أن النيران "تندفع في كل الاتجاهات" دون أن يتحكم بها ريح أو تضاريس، ما دفع رجال الإطفاء الخمسمئة المنتشرين على الأرض، المدعومين بطائرتَي Dash وكنادير وأربع طائرات Air Tractor، إلى تنفيذ "حرق تكتيكي" على أطراف الغابة لحرمان النيران من وقودها.
أما سبب الحريق، فتشير التحقيقات الأولية، وفق لوموند، إلى شرارة انبثقت من آلة تقليم على إحدى الطرق، في حين تبقى فرضية "الحادث" قيد التحقق، ما دفع مفوضة الجهة إلى إعلان حظر شامل لجميع الأشغال التي تستخدم محركات حرارية طوال مدة التأهب الأحمر، لتشمل بعض الأنشطة الزراعية أيضًا.
وفي هوت-كورس، تُضاف جبهة ثالثة إذ تمتد النيران منذ اثني عشر يومًا في وادي ريستونيكا قرب كورتي متواصلةً في تقدمها تحت وطأة رياح متقلبة.
نقابات تُطلق صرخة الانهيار
وتستكمل الصحيفة الفرنسية بالإشارة إلى أن الثمن البشري كان الأمر الأصعب، إذ لقي ثلاثة رجال إطفاء حتفهم خلال هذا الموسم، وهم: متطوع يبلغ 22 عامًا، واثنان في العقد الرابع من العمر لقيا حتفهما الثلاثاء قرب مطار ميرينياك بجيروند.
وسارع وزير الداخلية لوران نونييز إلى لقاء ذويهم في ثكنة بمدينة بوردو، معلنًا تقديم تكريم وطني لهم، ومدافعًا عن الإمكانات المتاحة: "لدينا اثنا عشر طائرة متخصصة في إطفاء الحرائق، وعشر مروحيات وست طائرات Air Tractor وثماني طائرات Dash، وسنجرب قريبًا طائرة A400M قادرة على قذف 20 ألف لتر من المثبطات".
غير أن النقابات تُكذب هذه الصورة الوردية، إذ كشف جيوم ميي من نقابة CFDT أنه "حين تُرسَل كتيبة من خمسين رجلًا، يلزم مئة لاحترام فترات الراحة الأمنية، لكننا نعمل بالنصف فيُرهَق الجميع".
وأضاف سيباستيان دولافو من CGT أن "فقدان ألف آلية بين 2004 و2020 لم تعوضه طلبيات 2022"، مستشهدًا بأن ثمانية من اثني عشر هي طائرات متخصصة في إطفاء الحرائق، فقط كانت صالحة للعمل مساء الثلاثاء وفق وثيقة للحماية المدنية اطلعت عليها وكالة فرانس برس.
أما برونو منار، الناطق باسم المتطوعين الذين يمثلون 80% من إجمالي الكوادر، فيختصر المشهد بجملة: "وصلنا إلى حافة منظومة على وشك الانفجار".
وتؤكد إحصاءات الاتحاد الوطني لرجال الإطفاء أن ستة منهم قضوا في 2025، وثمانية آخرون سقطوا حتى الآن في 2026.
مناخ مشتعل وأرقام غير مسبوقة
تأتي هذه الكارثة في سياق موسم استثنائي بكل المقاييس، إذ رصدت "لوموند" أن أكثر من 12.500 حريق اندلع منذ يناير، متغذيةً على موجات حرارة متكررة وجفاف حاد تُرجعهما الدراسات إلى التغير المناخي المتسارع.
وأعلنت ميتيو-فرانس وضع خمس محافظات في مستوى "الخطر الشديد جدًا" يوم الخميس، قبل أن يتراجع التحذير إلى "مرتفع" يوم الجمعة.