مع اقتراب أندي بيرنهام من تسلّم مقاليد الحكم في بريطانيا، تُلقي صحيفة ذا تليجراف بحجر ثقيل في المياه الراكدة، كاشفةً أن رئيس الوزراء القادم سيرث ترسانةً نووية تعاني من ثغرة استراتيجية خطيرة قد تجعلها عاجزةً عن مواجهة أكثر السيناريوهات ترجيحًا في أوروبا اليوم. فبينما يشتعل الجناح الشرقي للقارة بنيران الحرب الأوكرانية، وتتصاعد المخاوف من تراجع الالتزام الأمريكي بحلف الناتو في عهد دونالد ترامب، يجد بيرنهام نفسه أمام إرث ثقيل تركه توني بلير منذ ربع قرن، حين راهن على منظومة نووية وحيدة، في وقت احتفظت فيه فرنسا، بعناد، بخياراتها المتعددة.
عندما تتزعزع المظلة الأمريكية
تشير الصحيفة البريطانية إلى أن ارتكاز الردع النووي البريطاني تاريخيًا على الترسانة الأمريكية الأشد فتكًا، بوصفها الضامن الفعلي لأمن حلف الناتو، كان يمنح رئيس الوزراء البريطاني قدرًا من الاطمئنان بأن القرارات الكبرى ستبقى في يد الرئيس الأمريكي.
غير أن الشكوك التي أبداها دونالد ترامب مرارًا حول إلزامية الدفاع عن الحلفاء قلبت هذه المعادلة رأسًا على عقب. وبحسب ذا تليجراف، فإن فرنسا، القوة النووية الغربية الثانية، لم تلتزم بتخصيص ردعها للناتو، مما يجعل بيرنهام يجلس على كرسي ربما يحمل صاحبه المسؤولية الفعلية عن حماية 29 دولة غير نووية في الحلف، وليس بلاده وحدها.
خطأ بلير الذي لم يُصحَّح بعد
تستحضر ذا تليجراف قرارًا اتخذه توني بلير عام 1998، لا يزال يُلقي بظلاله حتى اليوم، إذ ألغى، بعد ثلاثة أسابيع فقط من توليه رئاسة الوزراء، جيلًا كاملًا من الأسلحة النووية، وهي القنابل الجوية WE177، ليُبقي بريطانيا على منظومة وحيدة، وهي صواريخ ترايدنت D5 المنطلقة من غواصات فئة فانجارد الأربع التي تعمل بالتناوب في البحار.
والمفارقة أن بلير أقدم على هذا القرار في وقت راح فيه يحلم بجيل سيعيش دون حروب، فيما احتفظت فرنسا بمنظومتها الجوية إلى جانب غواصاتها.
ويرى بيتر واتكينز، الأستاذ الزائر في كلية كينجز لندن والمدير العام السابق للاستراتيجية النووية في وزارة الدفاع، أن الاعتماد على منصة واحدة وصاروخ واحد ورأس حربي واحد يُضيق هامش الخيارات تضييقًا خطيرًا أمام أي رئيس وزراء في لحظة الأزمة.
سيناريو الكابوس
تضع الصحيفة سيناريو من أكثر السيناريوهات قلقًا، في ضوء التعديل الذي أجراه بوتين عام 2024 على العقيدة العسكرية الروسية، والذي بات يُجيز استخدام الأسلحة النووية ردًا على أي تهديد تقليدي يمس السيادة الروسية.
فإذا هاجم الكرملين دولة أوروبية في الناتو ورأى أن أمريكا لن تتدخل، وردت القوات الأوروبية بأسلحة تقليدية وأجبرته على التراجع، فقد يلجأ إلى رفع السقف بضربة نووية تكتيكية محدودة، لا لتدمير مدن، بل لإرباك الجيوش المقاومة وإرغامها على قبول شروطه.
وهنا يقع رئيس الوزراء البريطاني في مأزق كابوسي حقيقي، وهو إما توجيه ضربة استراتيجية انتقامية بغواصات ترايدنت، القادرة نظريًا على تدمير مساحات شاسعة من الكرة الأرضية، وكل رأس حربي فيها يعادل ست قنابل هيروشيما، غير أن الرد بهذا الثقل على ضربة تكتيكية محدودة قد يدفع موسكو إلى محو المملكة المتحدة، أو الصمت الذي يُفسره بوتين انتصارًا يُفضي إلى إخضاع أوروبا.
وتُشير ذا تليجراف إلى أن خيار الضربة التكتيكية عبر ترايدنت ذاته يطرح إشكاليتين؛ أولهما أن الروس لن يستطيعوا التمييز بين صاروخ تكتيكي وآخر استراتيجي منطلق من غواصة، فقد يفترضون الأسوأ ويردون بكل قوتهم، والثانية أن أي إطلاق للصواريخ يكشف موقع الغواصة ويُعرضها للإغراق، مما قد يُجرد بريطانيا من ركيزة ردعها الوحيدة.
مسار فرنسا
في مواجهة هذا المأزق، ترصد ذا تليجراف مسارًا فرنسيًا بريطانيًا مشتركًا لم يكتمل بعد، إذ وسع الرئيس ماكرون نطاق العقيدة النووية الفرنسية لتشمل ما أسماه "الردع المتقدم"، أي إمكانية الدفاع عن حلفاء أوروبيين، وأجرى تدريبات مشتركة مع ثماني دول، بينها بريطانيا، على نشر طائرات رافال الحاملة لصواريخ ASMPAR الجوية النووية في قواعدها.
وتوج ذلك بـ"إعلان نورثوود"، الذي وقعه ستارمر وماكرون، والذي أكد أن باريس ولندن ستردان معًا على أي تهديد وجودي لأوروبا.
وفي السياق ذاته، طلب ستارمر اقتناء 12 طائرة F35A قادرة على حمل أسلحة نووية، غير أن دانيال سالسبيري من معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية، وجاك كروفورد من معهد الخدمات الملكية المتحدة، ينبهان إلى ثغرة جوهرية، وهي أن هذه الطائرات ستُزوَّد بقنابل B61 الأمريكية الخاضعة للسيادة الأمريكية، مما يُفرغ الفكرة من مضمونها إذا كان الهدف الأصلي هو التحرر من الاعتماد على واشنطن.
وتخلص ذا تليجراف إلى أن بيرنهام يواجه اختيارًا تاريخيًا، وهو إما أن يصحح خطأ بلير ويستعيد منظومة جوية نووية بريطانية مستقلة حقيقية، وإما أن يظل رئيس وزراء يملك مفتاح الدمار الشامل دون أن يملك خيارات حقيقية بين الصمت والفناء.