لم تعد مسألة رحيل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مجرد تكهنات في أروقة وستمنستر، بل باتت حقيقةً سياسيةً تتشكل ملامحها يومًا بعد الآخر، فبينما كان ستارمر يُمضي عطلة نهاية الأسبوع في مقر إقامته الريفي "تشيكرز" مع زوجته فيكتوريا، كانت سلطته تتأكل بصمت، فيما يتهيّأ منافسه أندي بيرنهام للإمساك بزمام القيادة.
التحول الصارخ في موقف ستارمر
لم تمضِ 48 ساعة على تأكيد ستارمر أمام الصحفيين، يوم الجمعة، أنه سيخوض أي منافسة على القيادة ولن يغادر منصبه طوعًا، حتى بدأت اللغة الرسمية لمكتبه تتبدل بشكل مفاجئ ولافت، إذ رفض بيتر كايل، وزير الأعمال وأحد أوثق المقربين من رئيس الوزراء، تكرار ذلك الوعد حين سُئل عنه مباشرةً في برنامج "صنداي ويذ لورا كوينسبيرج" على شبكة بي بي سي، مكتفيًا بالقول إن ستارمر "يفسح وقتًا للتأمل في التحديات السياسية التي يواجهها" وإنه سيضع "مصلحة البلاد فوق كل اعتبار".
وبحسب بوليتيكو، انتقل مكتب رئيس الوزراء من التمسك الصريح بالبقاء إلى صمت يُفصح عمّا لا تقوله الكلمات، فيما بدأ بعض أقرب المقربين من ستارمر يتداولون سرًا سيناريو رحيله، كما أفادت صحيفة ذا جاريدان البريطانية بأن مساعديه شرعوا في صياغة بيان استقالة، وبأن ظلّ ثمة غموض حول قراره النهائي حتى وقت متأخر من الأحد، إذ قال أحد المسؤولين العماليين: "لا أحد يعلم ما الذي يجري".
وزراؤه يطالبونه بالرحيل
لم تقتصر الضغوط على خصوم ستارمر، بل جاءت من داخل حكومته ذاتها، فوفقًا لبوليتيكو، طالبته وزيرة الخارجية إيفيت كوبر، ووزيرة النقل هيدي ألكسندر، بتحديد جدول زمني للتنحي، فيما كانت وزيرة الداخلية شبانة محمود، ووزير الطاقة إد ميليباند، قد سبقاهما إلى ذلك، أما كبير المنسقين البرلمانيين جوناثان رينولدز، فقد نقل إلى ستارمر حجم السخط المتراكم بين النواب.
وعلى الصعيد البرلماني، رصدت نيويورك تايمز أن أكثر من مئة نائب عمالي طالبوا رسميًا بتحديد موعد للرحيل، مع توقعات بتصاعد هذا الضغط فور عودة البرلمان يوم الاثنين.
ويأتي ذلك في سياق تراجع حاد في شعبية الحزب، إذ خسر العمال نحو 1500 مقعد في انتخابات المجالس البلدية الأخيرة، وسط اتهامات للحكومة بالتخبط الاقتصادي والتراجع عن وعودها الانتخابية.
بيرنهام يدخل وستمنستر
في المقابل، دخل أندي بيرنهام على الخط بزخم لافت، فبعد فوزه في الانتخابات التكميلية لدائرة ميكرفيلد شمال غرب إنجلترا، أدى اليمين نائبًا برلمانيًا، وبات يستقبل النواب في لقاءات مجموعات صغيرة، مستخدمًا مكاتب حلفائه قاعدةً مؤقتة له.
وبحسب بوليتيكو، كشف أحد المقربين من حملته أن أكثر من 200 نائب عمالي مستعدون لتأييده في أي منافسة رسمية، فيما يرجح كثيرون أنه سيصل إلى رئاسة الحكومة دون منافس حقيقي، ليكون السابع في سلسلة رؤساء الوزراء البريطانيين خلال عقد واحد.
والأبرز أن أسلوب فريق بيرنهام في التواصل مع النواب جاء مغايرًا تمامًا لأسلوب ستارمر، إذ وصف أحد الوزراء الذي تلقى اتصالًا من مؤيدي بيرنهام طريقتهم بأنها "تستمع أكثر مما تُملي"، في إشارة ضمنية إلى شكاوى من أسلوب فريق رئيس الوزراء الحالي.
تتويج أم منافسة
يدور في أروقة وستمنستر جدل محتدم حول ما إذا كان بيرنهام سيتولى رئاسة الحكومة بالتزكية أم عبر منافسة داخلية، فبينما يحرص حلفاؤه على تفادي أي صراع قد يُمزق وحدة الحزب، يُفضلون في الوقت ذاته تأجيل عملية التسليم حتى سبتمبر، لمنح الفريق الجديد متسعًا لبناء برنامج حكومي متكامل.
في المقابل، كشفت بوليتيكو أن بعض حلفاء ستارمر يسعون إلى دفع مرشح منافس لاختبار توجهات بيرنهام وإجباره على الإفصاح عن مواقفه، وتردد في هذا السياق اسم دارين جونز، الأمين العام للخزانة، غير أن هذا الخيار يفقد زخمه تدريجيًا مع اتساع قاعدة المؤيدين لبيرنهام.
وتبقى التساؤلات حول برنامجه الاقتصادي هي الشغل الشاغل لكثير من النواب، إذ أفادت بوليتيكو بأن جيم أونيل، الاقتصادي السابق في جولدمان ساكس والمستشار المقرب من بيرنهام، أبدى انفتاحه على مراجعة قيود الاقتراض الحكومي لصالح الاستثمار في البنية التحتية، وهو ما أثار حفيظة عدد من النواب الذين يرون في ذلك مغامرة اقتصادية غير محسوبة.
وكان بيرنهام نفسه قد كشف عن طبيعته في كتابه الصادر عام 2024، معترفًا بأنه "أقرب إلى المُنفق منه إلى المُدخر"، وأنه يميل بطبعه إلى القبول لا الرفض، وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرته على قول "لا" حين تستدعيها ضرورة الحكم.