تكشف السجالات المتصاعدة داخل تايوان بشأن الإستراتيجية الأمريكية الجديدة عن تحولات لافتة في طبيعة الدور الذي ترسمه واشنطن للجزيرة، وسط انتقادات متزايدة ترى أن المفاهيم العسكرية التي تروّج لها الولايات المتحدة، من "جزيرة القنفذ" إلى "خلية النحل"، لا تستهدف تعزيز أمن تايوان بقدر ما تعكس إعادة تعريف وظيفتها في إطار المنافسة الإستراتيجية مع الصين.
وفي المقابل، تثير طريقة تعامل سلطات تايوان مع الضغوط الأمريكية، خاصة في ملف أشباه الموصلات، تساؤلات بشأن حدود استقلالية قرارها السياسي وعلاقة الجزيرة بحليفها الأبرز.
تايوان بثوب جديد
وفي السياق، نشرت صحيفة "تشاينا تايمز" التايوانية، تحليلًا رأت فيه أن الانتقال من مفهوم "القنفذ" إلى "خلية النحل" لا يقتصر على تغيير في المصطلحات العسكرية، بل يكشف عن إعادة صياغة للدور الذي ترغب الولايات المتحدة في أن تؤديه تايوان، بحيث تصبح منصة متقدمة للطائرات المُسيّرة والأنظمة غير المأهولة ضِمن خطط الردع والاستنزاف.
وأشارت الصحيفة التايوانية إلى أن مفهوم "جزيرة القنفذ" كان يقوم على تعزيز قدرات "الحرب غير المتكافئة"؛ من خلال نشر أسلحة منخفضة الكلفة وعالية الفاعلية لرفع تكلفة أي تحرك عسكري صيني محتمل، بينما يركز مفهوم "خلية النحل" على إنشاء شبكة واسعة من الطائرات المُسيّرة وأنظمة القتال الذكية، بما يعزز قدرة الجزيرة على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد.
ورأت أن هذا التطور يعكس، من وجهة نظرها، أن الولايات المتحدة تنظر إلى تايوان باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في إستراتيجيتها لمنافسة الصين، وليس فقط شريكًا تسعى إلى تعزيز أمنه، معتبرة أن تغيير المفاهيم العسكرية يعكس إعادة تحديد الوظيفة التي تؤديها الجزيرة في الحسابات الأمريكية.
وأضافت الصحيفة أن اللافت هو سرعة تفاعل بعض المسؤولين في تايوان مع هذه الطروحات، إذ تتحول الأفكار التي يطرحها المسؤولون الأمريكيون إلى نقاشات حول إعادة هيكلة القوات المسلحة، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتعزيز شبكات الاتصالات العسكرية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو ما اعتبرته دليلًا على التأثير الكبير للرؤية الأمريكية في رسم السياسات الدفاعية داخل الجزيرة.
علاقة غير المتكافئة
وفي سياق متصل، تناولت الصحيفة طريقة تعامل سلطات تايوان مع التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن صناعة أشباه الموصلات، بعدما كرر اتهامه لتايوان بالاستفادة من الصناعة الأمريكية، ودعا إلى مواصلة توسيع استثمارات شركة TSMC داخل الولايات المتحدة.
وأشارت إلى أن زعيم سلطات تايوان لاي تشينج ته، حاول، خلال مشاركته في فعالية نظمها المعهد الأمريكي في تايوان، مايو الماضي، إيصال نسخة من السيرة الذاتية لمؤسس شركة TSMC، موريس تشانج، إلى ترامب عبر مدير المعهد الأمريكي في تايوان، في محاولة لتوضيح مساهمة الجزيرة في تطوير صناعة الرقائق الإلكترونية.
واعتبرت الصحيفة أن اللجوء إلى هذه الوسيلة يعكس، في نظرها، غياب التواصل المباشر والمتكافئ مع الإدارة الأمريكية، خاصة أن هذه الخطوة لم تمنع ترامب من تكرار تصريحاته لاحقًا بشأن صناعة الرقائق، أو مطالبته الشركة التايوانية بمواصلة توسيع استثماراتها داخل الولايات المتحدة.
ورأت أن هذه التطورات تبرز فجوة واضحة في طبيعة العلاقة بين الطرفين، إذ يتمتع المسؤولون الأمريكيون بقدرة كبيرة على التأثير في النقاشات والقرارات داخل تايوان، بينما تبدو قدرة سلطات الجزيرة على التأثير في توجهات واشنطن محدودة.
جدل حول الاستقلالية
وخلُصت الصحيفة إلى أن جوهر القضية لا يرتبط بالأشخاص أو التصريحات الفردية، وإنما بطبيعة العلاقة القائمة بين الولايات المتحدة وتايوان، والتي ترى أنها تمنح واشنطن مساحة واسعة لإعادة صياغة أولويات الجزيرة الأمنية والاقتصادية، وفقًا لمتطلبات المنافسة مع الصين.
وأضافت أن تبدل المفاهيم الأمريكية، من "جزيرة القنفذ" إلى "خلية النحل"، ومن "الدرع السيليكوني" إلى "سلاسل التوريد غير الحمراء"، يعكس استمرار تطوير الأدوات المستخدمة في الإستراتيجية الأمريكية، بينما يثير في المقابل نقاشًا داخل تايوان بشأن مدى قدرة الجزيرة على الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي والإستراتيجي في ظل الاعتماد المتزايد على الدعم الأمريكي.