ما بدأ كقصة حب على صفحات مجلة لامعة، تحول في أسابيع قليلة إلى أثقل ملف يُلقي بظلاله على مستقبل أبرز مرشح لرئاسة فرنسا، إذ كشفت صحيفة بوليتيكو الأمريكية في تحقيق موسع أن علاقة زعيم اليمين المتطرف جوردان بارديلا بالأميرة الإيطالية ماريا كارولينا دو بوربون دي دو سيسيل باتت تُعيد رسم صورته السياسية بالكامل، في لحظة يقف فيها على أعتاب أكبر اختبار في مسيرته.
أميرة من زمن الملوك ووريثة ثروة بالملايين
لم تكن ماريا كارولينا، البالغة من العمر 23 عامًا، وجهًا مجهولًا حين ظهرت على الغلاف الأول لمجلة "باريس ماتش" إلى جانب بارديلا في أبريل الماضي، إذ إن شجرة عائلتها تمتد إلى لويس الرابع عشر ملك فرنسا في القرن السابع عشر، فيما يرتبط لقبها بمملكة الصقليتين التي جمعت صقلية وجنوب إيطاليا.
لكن ما أثار العاصفة الحقيقية ليس التاج بل ما بعده، فوفقًا لوثائق مالية وقضائية حصلت عليها صحيفة "لو موند" الفرنسية، ترث الأميرة ثروة عائلية تتجاوز 130 مليون يورو محفوظة في صناديق خارجية.
نشأت كارولينا بين باريس وروما وموناكو، وتلقت تعليمها على يد ما يصل إلى 12 معلمًا خاصًا يرافقون العائلة في تنقلاتها، وتتقن 6 لغات.
وتمتلك أسرتها قصرًا في سان تروبيه، وفيلا مطلة على سردينيا، وشقة فاخرة في قلب باريس قبالة برج إيفل، يخدمها فيها طاهٍ نابولي خاص.
وعلى إنستجرام، تنشر الأميرة لقطات من حياتها وفساتينها الغالية، وتروج لعلامات تجارية فاخرة.
التناقض الذي يُحرج بارديلا
تتناقض تلك الصورة جذريًا مع الرواية التي بنى عليها بارديلا كامل صعوده، إذ إنه ابن الضواحي الشعبية الباريسية، خرج من رحم الطبقة العاملة ليكون صوتها في وجه النخب والأثرياء.
وهو التناقض الذي لم يفوته خصومه من اليسار الجذري، إذ قال بول فانييه النائب في البرلمان عن حركة "فرنسا الأبية": "الخيارات التي اختار بارديلا نشرها لم تعد شخصية.. إنها رسالة سياسية".
وبحسب بوليتيكو، أظهر استطلاع أجرته شركة أودوكسا الفرنسية أن بارديلا خسر ثلاث نقاط في شعبيته مباشرة عقب الإعلان عن العلاقة، وإن ظل الأكثر شعبية بنسبة 35%.
الأخطر من ذلك أن استطلاعًا لشركة فيريان كشف أنه بات السياسي الأكثر ارتباطًا في أذهان الفرنسيين بصورة النخبة، حيث رأى 17% من المستطلَعين أنه ينتمي إليها.
وتحذر مديرة عامة فيريان لور سالفينج من أن ما يعيبه ناخبو اليمين المتطرف على النخب ليس السلطة بحد ذاتها، بل "الانفصال" عن الواقع اليومي، وهنا بالتحديد يمشي بارديلا على حبل مشدود.
نزهة تكلف أكثر من المال
تصاعد الأزمة لم يأتِ من الصور وحدها، بل من لحظة بعينها جمعت كل الخيوط في مشهد واحد، ففي مطلع يونيو الماضي، صورت الكاميرات بارديلا وقرينته في سباق موناكو للفورمولا 1 يضحكان وسط ضيوف كبار، في اليوم ذاته الذي كانت فيه فرنسا تعيش صدمة اغتصاب وقتل طفلة تبلغ 11 عامًا.
وحين سُئل بعدها في بث تلفزيوني مباشر عن ملاءمة حضوره في تلك الأجواء، رد باستهجان: "هل هذا سؤال جدي؟ هناك مسيرات صمت كل يوم؟"، ليشعل الرد موجة واسعة من الانتقادات.
وأقر مسؤول بارز داخل التجمع الوطني، لـ"بوليتيكو"، بأن "هذه المشاهد كانت خطأ، إنها سلسلة سيئة"، وذهب أبعد من ذلك شخصية يمينية متطرفة سابقة وصفت ما جرى بأنه "أمر خطير في السياسة.. انعدام التعاطف والسخرية، حتى لو لم يكن ذلك هو الحال فعلًا، هذا هو الانطباع الذي يتشكل". والمفارقة أن موناكو هي المكان ذاته الذي التقى فيه الثنائي عام 2025 لأول مرة، في نسخة سابقة من السباق نفسه.
بين التاج الملكي والإليزيه
رغم العاصفة، تُشير الأرقام إلى أن بارديلا لم يتزعزع بعد، إذ رصد استطلاع لشركة إيفوب حصوله على 36% في الجولة الأولى من الرئاسيات المرتقبة عام 2027، بارتفاع نقطتين عن الشهر السابق، غير أن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد، إذ سيعرف في السابع من يوليو الجاري ما إذا كان سيصبح المرشح الرسمي للتجمع للرئاسة، بعد أن يُبت في استئناف الحظر الانتخابي المفروض على مارين لوبان.
وفي حال ترشحه، ستتحول ماريا كارولينا من مجرد قصة حب إلى عنصر في حملة انتخابية مفتوحة على كل الاحتمالات.
وحرص بارديلا في مقابلة مع بوليتيكو على وضع حد فاصل بين الشخصي والسياسي: "هي لا تمارس السياسة.. أنا سعيد جدًا وعاشق جدًا"، أما حين سُئل تلفزيونيًا عن فكرة وجود أميرة بوربون كسيدة أولى لفرنسا، فاختار لغة القلب: "قبل أن تكون رمزًا لأي شيء، هي أولًا الشخص الذي أحبه".