فوق مباني مدينة ليمان الأوكرانية الصغيرة، تتدلى شبكة كثيفة من كابلات الألياف الضوئية المستهلكة، والتي كانت تُستخدم للتحكم في المُسيَّرات التي نشرتها كل من روسيا وأوكرانيا، وتراكمت بكثافة شديدة بعد سنوات من القتال، لدرجة أن المُسيَّرات أصبحت تجد صعوبة في التحليق عبرها.
وبينما يعيش نحو ألف مدني مِمَن بقوا في منازلهم في أقبية دون كهرباء أو غاز أو مياه جارية، تُعدّ المدينة الموقع الشمالي لـ"حزام الحصون"، وهو سلسلة من البلدات والمدن ذات أهمية بالغة للدفاع الأوكراني في منطقة دونباس، وأصبحت رمزًا لإستراتيجية كييف الممتدة لسنوات، والمتمثلة في إشغال القوات الروسية واستنزافها في شرق أوكرانيا ضمن بيئة حضرية محاطة بالأشجار والأنهار.
بالفعل، سقطت بعض مدن وبلدات دونباس، بما في ذلك بوكروفسك وباخموت، وسط حصارات دموية محتها من الخريطة، بينما باتت مدن وبلدات أخرى على حافة الهاوية. لكن في مايو، ولأول مرة منذ هجوم أوكراني مضاد في عام 2023، استعادت كييف مساحة من الأراضي تفوق ما استولت عليه روسيا.
ووفق تقرير لصحيفة "ذا جارديان" البريطانية، أدت هجمات المُسيَّرات الأوكرانية إلى تدمير خطوط الإمداد الطويلة لموسكو في دونباس وشبه جزيرة القرم بشكل متزايد، واستنزف الدفاع المستميت عن حزام الحصون أرواحًا وجهودًا روسية هائلة.
خط دفاعي
تم تحديد حزام الحصون لما يتمتع به من نقاط قوة محتملة في حال شنّ روسيا هجومًا واسع النطاق، ونصّت الإستراتيجية على إنشاء خط دفاعي يتمحور حول أربع مدن رئيسية في مقاطعة دونيتسك ومستوطناتها المحيطة، ويمتد لمسافة 30 ميلًا من الشمال إلى الجنوب على طول الطريق الرئيسي H-20 كوستيانتينيفكا-سلوفيانسك.
وتتكون المنطقة من تجمعات من المراكز الحضرية الكثيفة، غالبًا ما تضم منشآت صناعية مترامية الأطراف على مقربة منها، وجغرافيا معقدة من الأنهار والغابات والتضاريس المرتفعة التي تصب في مصلحة المدافعين عنها.
ويمثل هذا الحزام جزءًا من نسبة الـ10% من دونباس غير الخاضعة للسيطرة الروسية، والتي طالبت بها روسيا كجزء من أي اتفاق سلام، وهو سيناريو تخشى أوكرانيا أن يجعل المدن الواقعة غربها، بما في ذلك دنيبرو وكييف، عرضة لاجتياح محتمل في المستقبل.
وفي ورقة بحثية صدرت في أبريل حول أهمية الحزام الدفاعي، وصفه "معهد دراسات الحرب" الأمريكي بأنه "مُحسَّن للدفاع في جميع التضاريس والخصائص الجغرافية الممكنة تقريبًا"، وقال إنه يمنح أوكرانيا ميزة كبيرة.
وأضاف أن "التكاليف الباهظة التي تكبدتها روسيا في معركة باخموت أو حملة بوكروفسك ستتضاءل مقارنةً بالتكاليف اللازمة للاستيلاء على الحزام الدفاعي، بافتراض أن القوات الروسية قادرة على النجاح أصلًا".
في الحقيقة، تغيرت طريقة إدارة الحرب بشكل جذري على مدار الصراع، الذي بدأ في فبراير 2022 واستمرت لفترة أطول من الحرب العالمية الأولى.
القتال يتغير
وفق التقرير، كانت الألوية التي قدمت للقتال في هذه المنطقة ضمن الهجوم المضاد عام 2023 تتنقل في قوافل من سيارات مدنية مموهة على عجل، أما الآن فهي تجوب المدن والجبهة في مركبات كالقنافذ مُغطاة بأشواك مصنوعة من كابلات معدنية ثقيلة مُصممة لتفجير المُسيّرات الروسية قبل إطلاقها، أو مُحاطة بشبكات سلكية.
وفي الغابات والحقول، تحولت الدفاعات التي كانت بدائية في السابق إلى طبقات من العوائق العميقة، حيث خنادق الدبابات والأعمدة، المتشابكة مع الأسلاك الشائكة.
وإلى جانب وسائل الردع المادية، توجد هوائيات لرصد الطائرات بدون طيار وإجراءات مضادة إلكترونية لإسقاطها، بينما الشوارع وأجزاء واسعة من الطرق السريعة مغطاة بأنفاق شبكية مضادة للمسيّرات.
لكن لا يعني أيٌّ من ذلك أن القوات الروسية لم تتقدم في بعض المناطق، ففي كوستيانتينيفكا، أقصى نقطة جنوبية في الحزام، تحتل القوات الروسية الآن الجانب الشرقي من المدينة، بينما أصبح الجانب الغربي عبر نهر كريفي توريتس "منطقة قتل" مع محاولة مجموعات روسية التسلل إلى مركز المدينة، وجاء هذا التقدم بتكلفة باهظة في أرواح القوات الروسية.
بشكل عام، ترى أوكرانيا أن حزامها الدفاعي يصمد إلى حد كبير أمام الهجمات الروسية، وأنها قادرة على مقاومة مطالب موسكو بالتنازل عن أراضٍ مقابل وقف غير مؤكد للأعمال العدائية، وهو ما تعتقد كييف أنه سيسمح لروسيا باستخدام دونباس كقاعدة انطلاق لشن هجمات جديدة في المستقبل.
وأتاح هذا الدفاع لكييف الوقت الكافي لتنفيذ إستراتيجيات أخرى، أبرزها هجمات الطائرات المُسيَّرة على خطوط الإمداد إلى شبه جزيرة القرم المحتلة ودونباس، والتي تُضعف قدرة موسكو على مواصلة عملياتها.