الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

الأديب الفلسطيني زياد عبد الفتاح: محمود درويش كان يحب شعر الأبنودى

  • مشاركة :
post-title
الشاعران الراحلان الفلسطيني محمود درويش والمصري عبد الرحمن الأبنودي والأديب والمناضل الفلسطيني زياد عبدالفتاح

القاهرة الإخبارية - حوار: خيري حسن ـ تصوير: عمرو حطب

في أجواء سياسية عربية مضطربة، وعدم استقرار صاحبَ الفصائل الفلسطينية كافة بعد 89 يومًا من الحصار في بيروت، ثم الخروج عام 1982 إلى تونس، جاء مساء مشحون بالعواطف. كان ذلك عام 1984، حيث استعدت إدارة مبنى بلدية مدينة سوسة الساحلية الجميلة لإقامة أمسية شعرية على مسرحها، بطلها ونجمها الأول الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش. وفي تلك الليلة، "كان جمهور درويش من النساء والفتيات أكثر، ومع ذلك ظهر الرجال من مختلف الأعمار بصورة لافتة جدًا".

استعد درويش لهذا اللقاء مبكرًا، واتفق مع صديقه زياد عبد الفتاح، الكاتب والمناضل ومؤسس ورئيس وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، أن يصاحبه في هذه الرحلة من تونس العاصمة إلى مدينة سوسة، التي تبعد نحو 116 كم. فاقترح زياد أن ينضم إليهما الشاعر أحمد دحبور، وكان وقتها مستشار تحرير مجلة "اللوتس" الفلسطينية، وكان الجميع، أو معظمهم، يعيشون في تونس حينذاك، بينما كان محمود درويش يتنقل بين تونس وباريس. ورحب محمود درويش بذلك الاقتراح، فقام زياد عبد الفتاح باستدعاء أحمد دحبور، وجهز سيارته الخاصة، التي سيقودها بنفسه إلى سوسة.

الزميل خيري حسن مع الأديب والمناضل الفلسطيني زياد عبدالفتاح

في هذه الرحلة، دار حديث ساخن ومدهش وغريب بينهم داخل السيارة، خاصة عندما سأل زياد محمود درويش، مستفهمًا، وربما محفزًا:

"أظنك يا محمود ستلقي الليلة قصيدتك الشهيرة: "سجل أنا عربي"؟"

رد محمود درويش بصورة حادة وجادة، قد تصل إلى الانفعال: "لا.. لن ألقي هذه القصيدة الليلة". ثم أشاح بوجهه خارج السيارة، وكان يجلس بجوار زياد في المقعد الأمامي، وبدأ ينظر من خلف الزجاج إلى السماء الملبدة بالغيوم.

وكان زياد يزيد من سرعة السيارة، التي ارتفعت داخلها، ولم تكن مكيفة، درجة سخونة الهواء، مثلما ارتفعت حرارة وصوت المحرك مع ضغط زياد على دواسة البنزين، فيما كان دحبور في المقعد الخلفي صامتًا، ينظر هو الآخر في مرآة السائق المواجهة لزياد عبد الفتاح في هدوء، ثم خيم الصمت على الجميع، ولم يُسمع سوى صوت المحرك وخشخشة علبتي الكبريت والسجائر، اللتين استخرجهما محمود درويش من جيب البنطال بصعوبة وعصبية واضحة.

الآن، أشعل محمود درويش سيجارته، ثم مد يده بسيجارة إلى دحبور، الذي تناولها في صمت، ثم أشعل درويش أخرى ومد بها يده إلى زياد، الذي أمسك بها بعدما هدأ من سرعة السيارة قليلًا، ثم ابتسم وقال: "محمود، هل تذكر عندما زرتك في مستشفى فيينا، عندما هاجمتك أزمة قلبية حادة، ونقلتك بسرعة الفتاة المصرية الأصل، التي كانت تعمل في منظمة الأمم المتحدة، وكان اسمها حياة، والتي أحببتها وتزوجتها؟"

طلقها درويش بعد ذلك.

وتابع زياد: "وطلبت مني، وأنت في العناية المركزة، علبة سجائري".

ابتسم محمود درويش قليلًا، ثم قال: "نعم.. وبالكاد أعطيتني سيجارة!".

فضحك الثلاثة، درويش، وزياد، ودحبور، الذي قال: "وهل يوجد مريض يشرب السجائر وهو في حجرة رعاية القلب؟".

رد زياد: "آه.. محمود درويش فعل ذلك".

فعاد الجميع إلى الضحك، بعدما قطعت السيارة ربع المسافة.

في هذه الحلقة، من سلسلة الحلقات الحوارية مع الكاتب والمقاتل الفلسطيني الكبير، زياد عبد الفتاح، الذي اقترب عمره الآن من 88 سنة، توقفت معه عند "عِشرة العمر" الشاعر محمود درويش، ورحلة السفر إلى مدينة سوسة، وحكاية قصيدته "سجل أنا عربي"، ونحن نتحدث معًا في بيته بالقاهرة.

فقلت له: "أليس غريبًا أن يرفض محمود درويش إلقاء هذه القصيدة في تلك الأمسية؟"

رد: "يومها قال له دحبور السؤال نفسه، ولكن بطريقة أخرى. قال له: يا محمود، كل شعرك، منذ البدايات وحتى اللحظة، حافل بالشعر والجبروت والقدرة، وهو يرتفع ويتطور من قصيدة إلى أخرى، والناس يحبونك ويقدرونك".

ثم أضاف: "ويرددون هذه القصيدة بالذات، يقصد "سجل أنا عربي"، حتى إن مارسيل خليفة قام بتلحينها، ويكاد يغنيها في كل حفلاته، فلماذا تبخل بقراءتها على جمهورك هذه الليلة؟".

سكت درويش ولم يرد.

فيما سألتُ أنا زياد عبد الفتاح: "ولماذا لم يرد على دحبور؟"

قال: "قبل أن يجيب، قلت أنا: ها هو دحبور يوافقني الرأي".

لكن محمود أيضًا سكت قليلًا، ولم يعقب، ثم قال له دحبور: "يا محمود، أنت كلما قرأت: "سجل أنا عربي، ورقم بطاقتي خمسون، وأطفالي ثمانية، وتاسعهم سيأتي بعد صيف"، يصدقك جمهورك، الذي يعلم أنه لا أطفال لك، وأنك، وقتها، غير متزوج في الأساس! فلماذا لا تلقيها يا أخي؟".

قلت لزياد: "وبماذا رد عليك؟"

قال: "علق على شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم سأل: من حرضك عليّ؟ أحمد دحبور، أليس كذلك؟".

نظر دحبور من مقعده الخلفي إلينا، وعينه على المرآة التي في المنتصف بيني وبين درويش، وقال: "لم يحدث.. أليس كذلك يا زياد؟".

قلت: "نعم".

ثم نظرت إلى عداد السيارة، فوجدت ضرورة التوقف في أقرب محطة بنزين لتزويدها بالوقود، وكنا قد قطعنا نصف المسافة.

يكمل زياد عبد الفتاح: "خرجنا من محطة التزود بالوقود، وعدنا للحديث عن الشعر والشعراء، وضغطت على جهاز الكاسيت في السيارة، بعد وضع الشريط، فجاء صوت فايزة أحمد تغني: "يا أما القمر على الباب.. نور قناديله.. يا أما أرد الباب.. وإلا أناديله". وانشغل محمود درويش مع صوتها، فقد كانت من أجمل الأصوات العربية إلى قلبه.

ثم سألته، بعد انتهاء الوصلة الغنائية، التي جعلتنا، مع صوت فايزة، نعيش أجواءً مصرية خالصة، عن مصر ونجومها في الشعر والغناء والصحافة.

فقال: "كان يتحدث درويش دائمًا، بلا ملل، عن فترة وجوده في القاهرة. القاهرة، كل ما فيها عربي، أسماء شوارعها، والذين يسكنونها يتكلمون العربية، فلا تسمع رطانة. عملت في دار الهلال مع أحمد بهاء الدين، ثم في صحيفة الأهرام، جنبًا إلى جنب مع العمالقة من الكتاب والأدباء. كما استقبلني الموسيقار محمد عبد الوهاب في بيته بالزمالك".

وهنا توقف درويش، عندما سألني دحبور: "كم بقي من المسافة حتى نصل إلى سوسة؟".

قلت: "اقتربنا".

ودون أن ألتفت إليه، قلت لدرويش: "وماذا عن شعراء القاهرة في وقت وجودك هناك؟".

قال: "إنني لا أستطيع، وأنا أتحدث عن أصدقائي من الشعراء المصريين، تجاهل الشاعر الأكثر قربًا إلى قلبي، عبد الرحمن الأبنودي، ومن غير اللائق وصفه بشاعر العامية، فقد كان الأبنودي سيد اللغة المحكية الساحرة".

قلت: "وماذا عن أمل دنقل؟".

رد: "صديقي أحمد عبد المعطي حجازي صاحب المشروع القومي، وهو أجزل الشعراء وأكثرهم إمساكًا بناصية اللغة. أما أمل دنقل، فللأسف، لم تتح له، بسبب الرحيل المبكر، الفرصة الكاملة لاستكمال مشروعه، ورغم ذلك كتب أمل أحلى قصائده وهو على فراش المرض".

وعند ذكر أمل والمرض، أشعل درويش سيجارة أخرى، فيما تذكرت أنا قصيدة "لا تصالح".

كان محمود درويش، حسب قول زياد عبد الفتاح، "يعشق اللون الرمادي ويرتديه، ولذلك ارتدى رابطة عنق حمراء تليق بلون البدلة الرمادية التي ارتداها. وكل الشعراء، أو بعضهم، يرتدون ملابس تختلف، وقد يتألقون في أمسياتهم، وأحيانًا يتخففون من معاطفهم وينقلبون على ربطات العنق، إلا محمود درويش".

الآن اقتربنا من مدينة سوسة. وبعد دقائق أوقفت السيارة بجوار البناية، ثم ترجلنا، نحن الثلاثة، وسط استقبال حاشد.

وفي الممر، عاودت السؤال إلى محمود: "هل ستقرأ "سجّل أنا عربي" الليلة؟".

نظر إليّ دحبور بضيق وضجر، وكأنه يريد أن يقول: لا داعي للسؤال، فقد أجاب عنه في السيارة، وأكد أنه لن يقرأ هذه القصيدة الليلة.

أما درويش، فدخل إلى القاعة دون أن يعلق على سؤالي.

ضجت القاعة بالتصفيق لحظة صعود درويش إلى المنصة. عدّل من بدلته ورابطة العنق، ووقف يقلب في أوراقه، ثم أمسك بكوب ماء أمامه، ومسح حبات العرق التي صعدت إلى جبهته، وبدأ يقرأ القصيدة الأولى... تصفيق، ثم الثانية... تصفيق، ثم الثالثة... تصفيق.

ثم سحب ورقة أخيرة، ونظر إلى القاعة، وكنت أنا ودحبور في مقدمة الصفوف، ثم ألقى ببصره نحونا، وقال عنوان القصيدة الرابعة والأخيرة:

"سجل أنا عربي".

فضجت القاعة بتصفيق مدوٍّ استمر عدة دقائق.

فنظر إليّ دحبور قائلًا: "هل ترى ماذا فعل بنا هذا الماكر؟ لقد غشنا، وغرر بنا، واستغفلنا".

ولم أعلق على كلامه، وانتبهت إلى صوت محمود درويش وهو يقول:

"سجِّلْ: أنا عربي

وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ

وأطفالي ثمانيةٌ

أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ،

والأثوابَ والدفترْ

من الصخرِ

ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ

ولا أصغرْ

أمامَ بلاطِ أعتابكْ

فهل تغضب؟"

فعادت القاعة تضج بالتصفيق والهتاف:

"سجل أنا عربي... سجل أنا... سجل... سجل... سجل..."

وما زال التاريخ يسجل: أنا محمود درويش... أنا عربي.

المصدر:

كتاب - صاقل الماس - محمود درويش - زياد عبد الفتاح - طبعة 2020