الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

الأديب والمناضل زياد عبدالفتاح يتحدث عن شعراء فلسطين (الحلقة الأولى)

  • مشاركة :
post-title
الأديب والمناضل الفلسطيني زياد عبدالفتاح والشاعر الراحل معين بسيسو

القاهرة الإخبارية - حوار: خيري حسن ـ تصوير: عمرو حطب

** معين بسيسو كان مناضلًا وطنيًا وقوميًا يحمل روحه على كفه
** معين بسيسو مات وحيدًا في غرفته بلندن واكتشفت وفاته بعد 40 ساعة
** تلقيت الخبر في دكار وأقنعت ياسر عرفات بقطع الزيارة والعودة فورًا إلى تونس
** حاولنا دفنه في غزة لكن سلطات الاحتلال رفضت ودُفن بالقاهرة
** عاشت زوجته على أمل نقل رفاته إلى غزة.. لكن ذلك لم يحدث حتى الآن

"هل حقا يموت الشاعر؟".. كان هذا سؤال ضمن أسئلة كان قد كتبها الأديب المصري الكبير يوسف إدريس على خلفية ـ أو تزامنًا ـ مع وفاة الشاعر المصري الكبير أمل دنقل، مايو عام 1983 متأثرًا بالمرض العضال؟، ويجيب الشاعر الفلسطيني محمود درويش على يوسف إدريس ـ ربما قبل سؤاله بسنوات ـ على موت الشاعر قائلًا:

"ونذير موت:

"كلما جاءني الأمس، قلت له

ليس موعدنا اليوم فلتبتعد

وتعال غدًا"

وبفلسفة محمود درويش ـ عن الموت فى قصيدته: (حالة حصار) يرفض الشاعر ـ أي شاعر ـ الموت ويستأذنه - أي الموت - في أن يأتي غداً حتى لا يموت اليوم، فالشاعر ـ الشاعر الحقيقى الذي يكتب لقضية، ويكتب لبداية، ويكتب للحياة، ويكتب للإنسانية، يعيش - بما يكتبه - ولا يموت حتى ولو رحل جسده!

ومن بين هؤلاء الشعراء العرب معين بسيسو:"الذي كتب عنه محمود درويش ـ وربما للمرة الأولى يكتب عن شاعر عربي ـ مقالتين متتابعتين الأولى بعنوان:" معين بسيسو.. لا يجلس على مقعد الغياب".. والثانية بعنوان:" معين بسيسو.. يجلس على نظرتي إليه"؟ الأمر الذي أدهش ودفع الكاتب والروائي الفلسطيني الكبير زياد عبد الفتاح ـ وصديقهما معا ـ أن يقول لأحمد دحبور ـ المستشار الثقافى لمجلة اللوتس:" أخيراً هاهو محمود درويش يكتب عن صديقنا جميعا الشاعر الظاهرة معين بسيسو".

في شتاء عام 1984 غادر تونس العاصمة وفد من منظمة التحرير الفلسطينة ـ بعد الخروج من بيروت ـ إلى العاصمة السنغالية دكار. وصل الوفد ما بين العصر والمساء. الآن يستقبل الرئيس السنغالي عبده ضيوف أبو عمار ـ والوفد المرافق له ـ في حفاوة كبيرة. في أثناء تبادل الحديث والتعارف والدردشة العادية جاء أحد المرافقين من بعيد يحمل في يده ورقة صغيرة في حجم علبة السجائر وألقى بنظره يبحث عن الكاتب زياد عبدالفتاح ـ كان وقتها مؤسس ورئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الفلسطينة ـ وأسس ورأس بعد ذلك هيئة الاستعلامات الفلسطينية ـ هذا غير تأسيس والمشاركة في إنشاء إذاعات وصحف ومجلات فلسطينية تتعدى السرد والحصر. 

وعندما وقع بصر الموافق على زياد عبدالفتاح رمقه بنظرة تقول: "أحتاجك في أمر ما" تحرك إليه زياد عبدالفتاح متجاوزًا البروتوكول ـ أو بعض إجراءاته ـ فيما ترك ياسر عرفات ما زال واقفًا بالقرب من الرئيس عبده ضيوف يتبادلان الحديث. واقترب من هذا الشخص وسأله: "خير.. ما الأمر؟" بوجه فولاذي ونظرات حادة وكلمات مرتبكة مال عليه وهمس في أذنه وهو يشير له على ورقة في يده. عندما قرأ حروفها صعق زياد ولم يعلق وأمسك بها غير مصدق ما سمعته أذناه ورأته عيناه في البرقية العاجلة.

الزميل خيري حسن والأديب والمناضل الفلسطيني زياد عبد الفتاح

غادر المرافق حتى ابتعد من المكان ثم تحرك زياد قليلًا وانحنى يمينًا وعاد يسارًا ـ بين رجال الدولة من الجانبين ـ حتى لمحه أبو عمار من بعيد فأشار له حتى اقترب وسأله: "ما الأمر يا زياد" كانت ملامح زياد تغيرت وتبدلت ووضح عليها أن هناك أمرًا جللًا حدث. فرد وهو يكاد يبكي ـ غير أن بروتوكول الزيارة ـ كزيارة رسمية ـ منعه وألجم الدموع بين جفنيه ـ قائلًا: "أُبلغت الآن بأن معين بسيسو.. مات؟" بدهشة واستغراب وألم ربما أشد مما أصاب زياد سأله: "تقول منْ؟" رد: "معين مات في لندن" سأله أبو عمار عدة أسئلة قصيرة ومتتابعة: "متى؟ كيف؟ ولماذا؟".

ثم استدرك بسرعة قائلًا: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. حقًا مات معين يا زياد؟"، هز رأسه ولم يعلق. فسأله أبو عمار وهو ينظر ناحية الرئيس عبده ضيوف، الذي ما زال واقفًا ومعه الوزراء السنغاليون ينتظر مواصلة حديثه مع أبي عمار قائلًا: "الآن.. ما الحل يا زياد" رد قائلًا: "لا حل غير قطع الزيارة والعودة فورًا إلى تونس لنبحث ترتيبات الجنازة والدفن.. فهذا معين بسيسو وليس أي إنسان آخر" واستجاب أبو عمار على الفور واستأذن من الرئيس السنغالي ـ الذي أبلغ عن طريق الترجمة ـ بالمصاب الجلل وعادت البعثة الدبلوماسية من دكار إلى تونس بعد 7 ساعات فقط قضتها هناك.

الشاعر الراحل معين بسيسو والأديب والمناضل زياد عبدالفتاح

أما هنا في ضاحية المعادي ـ جنوب القاهرة ـ وبعد ما يقرب من 40 سنة ذهبتُ إلى الكاتب الصحفي والروائي الفلسطينى الكبير والمقاتل ـ وصف الشاعر محمود درويش، زياد عبدالفتاح، بالمقاتل، فهو من مواليد مدينة طولكرم الفلسطينة عام 1939.

ذهبت في زيارة خاصة لإجراء مقابلة صحفية معه ـ وسُجلت تلفزيونيًا أيضًا ـ وستنُشر على حلقات ـ وهذه الحلقة الأولى منها عن موت الشاعر ـ وهذه الحلقة عن الشاعر الفلسطينى الكبير معين بسيسو ـ والحلقة التالية ستكون عن الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش.

في هذا اللقاء استرجعت معه ذكريات هذه الليلة في دكار، فقال: "يومها أصيب ياسر عرفات بصدمة كبيرة خاصة ومعين" كان شاعر الثورة والجماهير ومناضلًا وطنيًا وقوميًا وشيوعيًا يحمل روحه على كفه ولا يهاب. كان إعصارًا وكتلة من الاندفاع واللهب ويعتقد بيقين أن بيتًا من الشعر يستطيع أن يغير العالم وينزعج عندما لا يتزلزل الكوكب تحت وقْع قصائده" ثم يسكت زياد عبدالفتاح قليلًا وقبل أن يعود للحديث عن معين يسألني: "هل تشرب شايًا بالنعناع أم تشرب معي قهوة؟، قبل أن أجيب وجدته يسرح بخياله ويقول: "كان محمود درويش يعشق شرب القهوة وله عنها نص بديع في كتابه ذاكرة النسيان" يقول فيه: "أريد رائحة القهوة. لا أريد غير رائحة القهوة. لا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة. رائحة لأتماسك، لأقف على قدمي، لأتحول من زاحف إلى كائن. لأوقف حصتي من هذا الفجر على قدميه. لنمضي معًا. أنا وهذا النهار، إلى الشارع بحثًا عن مكان آخر"، ثم سكت زياد عبدالفتاح وواصل قراءة ختام نص محمود درويش عن القهوة، قائلًا: "تساءلت: كيف تكتب يد لا تبدع عن القهوة؟، كم قال لي أطباء القلب ـ مات محمود درويش بمرض القلب عام 2008 ـ وهم يدخنون: لا تدخِّن ولا تشرب القهوة. وكم مازحتهم: الحمار لا يدخن ولا يشرب القهوة ولا يكتب: "فضحكت وقلت لزياد عبدالفتاح ـ وهو يخيرني بين شرب القهوة أو الشاي: "سأشرب شايًا فأنا لا أدخن ولا أشرب القهوة.. فضحك بشدة دون أن يعلق.. ففهمت من ضحكته العالية وكأنه يريد أن يقول لي أو يكرر ما قاله محمود درويش لأطباء القلب: "الحمار لا يدخن ولا يشرب القهوة!"، ثم عاد وقال لحفيدته ناي ـ وهذا اسمها اختاره بنفسه ـ ابنة ديمة زياد ـ التي درست القانون بالسربون في فرنسا ـ قال لها: "أنا هشرب قهوة وخيري هيشرب شاي" وقد كان! "الشاي والقهوة ـ مع أطباق الحلويات ـ تكررت أكثر من مرة في اللقاء".

سألته كيف جاء موت معين بسيسو أجاب: "كان معين في زيارة إلى لندن. وذات مساء شتوي بارد صعد إلى غرفته بعدما أحس بالتعب فوجد أنه من المناسب ـ نظرًا لحالة الإرهاق التي شعر بها ـ أن يخلد إلى النوم. وكان يتوقع أن ينام ـ دون ضجيج ـ حتى ظهر اليوم التالي فوضع على قفل باب الغرفة من الخارج شارة ـ أو علامة ـ: "أرجو عدم الإزعاج" ودخل إلى سريره ونام ومر يوم ـ أو بعض يوم ـ قبل أن تنتبه إدارة الفندق فتفتح عليه باب الغرفة فتجده مات ومر على موته أكثر من 40 ساعة تقريبًا "محمود درويش ـ كما يذكر زياد عبدالفتاح في كتابه الرائع: "صاقل الماس" يقول عن موت معين: "كيف تموت الزوبعة العاصفة الإعصار؟ كنت مرشحًا أكثر منه" للموت!) ثم يتمتم زياد عبدالفتاح ـ بعدما قدمت له ابنته ديمة فنجان قهوته الذي طلبه قبل قليل بكلمات معين بسيسو التي قال فيها:

"أنت إن نطقت مت

وأنت إن سكت مت

قلها ومت"..

والآن قالها معين بسيسو في مدينة الضباب.. ومات.

سألته بعدما فرغت من شرب الشاي: "ماذا فعلت ـ لكونك المسؤول الأول إعلاميًا ـ في ذلك الحين ـ عن ترتيبات جنازة معين؟" رد: بالطبع عدنا إلى تونس بقطع الزيارة. وطلب أبو عمار كتابة نعيٍّ يليق باسم ونضال معين واستكمال باقي الإجراءات والمتابعة مع أسرته وتواصلنا مع زوجته، التي طلبت أن يُدفن في غزة حسب وصيته ـ أو رغبتها التي كنا نعرفها ـ وأجرت قيادة فتح العديد من الاتصالات مع شركاء في المنطقة للتواصل مع الإسرائليين ليدفن في غزة بعدما وصل جثمانه للقاهرة. لكن بعد مشاورات طالت بعض الشيء رفضت في تعنت قميء سلطات الاحتلال ذلك وبالتالي لم يعد أمام زوجته بد من أن يدفن في القاهرة التي وصل إليها الجثمان بالفعل. وقالت الزوجة: "يدفن في القاهرة فربما في يومًا ما ـ إذا كنت على قيد الحياة ـ أو كان غيري ـ يتم نقل رفاته إلى مدينة غزة لتستقر فيها روحه إلى الأبد" غير أن ذلك حتى اليوم لم يحدث!

مات معين بسيسو الذي كان ـ كما يقول زياد عبدالفتاح ـ "إعصارًا وكتلة من الاندفاع واللهب" مات وحيدًا على سريره في شتاء لندنيٍّ مقبض بعدما علق على باب غرفته بالفندق: "شارة عدم الازعاج" ومنذ الحادث كان يرفض - رفضًا تامًا - محمود درويش ـ في كل فندق ينزل فيه ـ أن توضع هذه الشارة على باب غرفته.. وكأن طريقة موت معين بسيسو ـ كما يشير زياد عبدالفتاح في الفصل رقم 35 من كتابه "أصبحت فوبيا أو وسواسًا لديه فلقد زلزلته الطريقة التي مات بها معين بسيسو".

سألت زياد عبدالفتاح وأنا أنهي كلامي عن وفاة معين بسيسو هل كان محمود درويش يهاب الموت؟ رد بتأثر شديد: "منْ منا لا يهابه!"، ثم انتقلنا بالحديث عن وفاته وملابسات ومرض وسفر وموت محمود درويش.

وأنا ألملم أوراقي للانصراف باغتني نفس السؤال.. هل حقًا يموت الشاعر؟ الناقد والشاعر الإنجليزى ستيفن سبندر يرد في كتابه الذي حمل عنوان (الحياة والشاعر) بقوله: "إن واجب الشعراء أن يكونوا صادقين.. وإن كتابة الشعر اليوم ببساطة دليل على أن الإنسان لا يزال حيًا"! وهذا معناه - أو هكذا فهمت - أن الشاعر الصادق بشعره ومواقفه وقضيته وإنسانيته يكون حيًا.. حتى لو مات الجسد.

السيدة ديمة ابنته - بكرم فلسطينى متوقع - جاءت لنا بفنجان شاي آخر.. فيما وقفت أشربه أمام شهادات وأوسمة وصور تاريخية لزياد عبدالفتاح مع قادة وكتاب وشعراء وأصدقاء عمره وزمنه ووطنه. أتأمل الصور وأقلب في صفحات الزمن. بعد لحظات همس زميلي المصور في أذني قائلًا: "لماذا لم تسأله عن شائعة وفاته التي ملأت الفضاء الإلكتروني والصحفي والإعلامي في الأيام الماضية؟"، ثم أكمل سؤاله بسؤال آخر قائلًا: "هل خشيت أن تزعجه بتلك الشائعة" رددت وأنا أبتسم: "الذي جابه الموت ولم يخفْ بدل المرة 100 مرة في رحلة نضاله من أجل فلسطين هل تعتقد أن تزعجه شائعة كالتي تتحدث عنها؟.. إنها مجرد شائعة؟، فسكت ولم يعلق فيما واصلت أنا النظر إلى الصور المعلقة على حوائط المكان والتى تحكي - دون تسلسل زمني - رحلة البشر والحجر والخروج والعودة والحياة والوطن.

الحلقة القادمة ستكون مع الكاتب والروائي الفلسطيني الكبير زياد عبدالفتاح لنكمل معه فنجان القهوة.. التي كان يحبها محمود درويش وليحدثنا - أيضًا - عن حياة وموت محمود درويش ولماذا لم يستمع لنصحية أطباء القلب بالابتعاد عن السجائر والقهوة؟ وكيف مات؟ ومتى عاد من الموت مرتين "مرة في فيينا ومرة عمان" - لكنه في المرة الثالثة مات محمود درويش - في مستشفى كيفلاند بأمريكا - ولم يعد.. وهو الذي عاش عمره كله يحلم بأن يعود.. فالعودة إلى قريته (البروة) في فلسطين هي العودة للحياة.. وعاد إليها - بالفعل - قبل أن يموت!. 

الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش والأديب والمناضل زياد عبدالفتاح
المصادر:

كتاب: صاقل الماس، زياد عبدالفتاح، طبعة أولى، 2020.

كتاب: الحياة والشاعر، ستيفن سبندر طبعة 2001، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ترجمة د. محمد مصطفى بدوي، مراجعة د. سهير القلماوي.