تحت شعار "إعادة بناء بريطانيا"، طرح أندي بيرنهام، رئيس الوزراء البريطاني المنتظر، رؤيته الاقتصادية في خطاب وصفته صحيفة ذا تليجراف بأنه صيغ أصلًا ليخطف عناوين الصحف، مُشبِّهةً إياه بمن يطلب من كهربائي إعادة تمديد أسلاك منزله بالكامل دون أن يسأله عن التكلفة أولًا، إذ إن بيرنهام، كما تقول الصحيفة، يطلب أن يُمنح مقاليد البلاد دون أن يقدم فاتورة بثمن المشروع.
أسئلة بلا إجابات عن كلفة "إعادة البناء"
لفتت ذا تليجراف إلى أن بيرنهام لم يوضح في خطابه "الاقتصادي" كيف سيدير اقتصاد البلاد، تاركًا أسئلة جوهرية معلقة دون رد، وهي هل سترتفع الضرائب لتمويل الخطة؟ أم سيوسع الاقتراض الحكومي؟ أم سيُقتطع من الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لسد الفجوة؟ ورغم هذا الغموض المالي، يطلب بيرنهام من البريطانيين منحه عشر سنوات كاملة لتنفيذ ما وصفه بـ"أكبر تغيير يشهده جيلنا في طريقة إدارة البلاد"، عبر حزمة وعود طموحة تشمل أكبر برنامج لبناء المساكن الشعبية منذ حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكهرباء رخيصة للجميع، ونموًا اقتصاديًا يطال كل منطقة بلا استثناء، إلى جانب إعادة تصنيع بريطانيا وتجديد المناطق المحرومة اقتصاديًا.
بصمات كوربن وغياب الذكاء الاصطناعي
رأت الصحيفة أن خطاب بيرنهام يحمل ملامح واضحة من برنامج جيريمي كوربن زعيم حزب العمال البريطاني، الذي سبق أن وُصف ساخرًا بأنه "عودة إلى السبعينيات"، إذ سوق بيرنهام لرسالة مفادها أن "بريطانيا أندي" لن تعرف خاسرين، بل فائزين فقط، وهو طرح اعتبرته ذا تليجراف غير واقعي؛ لأنّ الناخبين يدركون جيدًا أن أي قرار سياسي كبير لا بد أن يُفرز رابحين وخاسرين في آن واحد.
وفي هذا السياق، كشفت الصحيفة أن بيرنهام يدرس بالفعل رفع ضريبة الأرباح الرأسمالية، واستحداث ضريبة على قيمة الأراضي، وإنهاء "القفل الثلاثي" الذي يحمي معاشات التقاعد من التآكل، إلا أنه تعمد تجاهل ذكر أي من هذه الإجراءات غير الشعبية أمام جمهوره.
ولم يكن هذا التجاهل الوحيد، إذ لاحظت ذا تليجراف أن خطابه خلا تمامًا من أي إشارة إلى الذكاء الاصطناعي أو الحوسبة الكمية أو غيرها من محركات النمو في الاقتصادات الأسرع نموًا عالميًا، إذ آثر بيرنهام النظر إلى الخلف نحو الماضي الصناعي لبريطانيا، مُروّجًا لمزيد من التدخل الحكومي بدلًا من تقليصه، وبرنامج واسع لإعادة تأميم القطاعات.
"المانشسترية".. النموذج الذي يخفي تناقضاته
تقوم خطة "إعادة البناء" على نقل الصلاحيات والموارد المالية من لندن والجنوب الشرقي إلى الأقاليم، عبر إنشاء ما يشبه مقرًا حكوميًا موازيًا يُطلق عليه "داوننج ستريت الشمالية" في مدينة مانشستر، بوصفها العاصمة الرمزية لهذا التحول.
ويستلهم بيرنهام نموذجه مما يسميه "المانشسترية"، وهو الإطار الاقتصادي الذي طبقه عمليًا خلال سنواته التسع كعمدة لمانشستر الكبرى، ويصفه بأنه يمنح المواطنين "أمان السكن الجيد والعمل المستقر دون ترك كل شيء لقوى السوق"، في ما اعتبره "رفضًا لنظرية اقتصاد التنقيط" التقليدية.
غير أن ذا تليجراف فندت هذا الادعاء، كاشفة أن صندوق النمو في مانشستر، البالغ مليار جنيه إسترليني، استُخدم فعليًا في دعم مطورين عقاريين لبناء أبراج سكنية فاخرة، دون أن يقابل ذلك أي زيادة تُذكر في وحدات الإسكان الاجتماعي، وهو ما تصفه الصحيفة بأنه التجسيد الحرفي لنموذج "التنقيط" الذي يزعم بيرنهام معارضته.
وأضافت أن آلية توزيع هذا الصندوق كانت موضع دعوى قضائية أمام محكمة الاستئناف، رفعها أحد المطورين العقاريين الذي يرى أن الأموال استُخدمت كدعم غير مشروع لصالح مشاريع بعينها، وهو اتهام ينفيه مكتب بيرنهام السابق.
ولم يقدم بيرنهام، بحسب الصحيفة، سوى مثال واحد فقط على الأثر التحويلي لهذه السياسة، تمثل في ألف فرصة تدريب عملي إضافية للشباب، وهو إنجاز وصفته ذا تليجراف بأنه "متواضع" ولا يرقى إلى مستوى التغيير الجذري الذي يدعيه.