"توقفوا عن التذمر".. كانت هذه العبارة رسالة وجهها وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إلى أوروبا التي تعاني من موجة حر قياسية هذا الأسبوع. قائلًا في تصريحات مصورة ألقاها أمام مؤتمر "تحالف المواطنة المسؤولة"، وهو تجمع لشخصيات محافظة مؤثرة، كثير منهم يشككون في حقائق تغير المناخ: "دائمًا ما يموت عدد أكبر من الناس في الشتاء مقارنة بالصيف، لأن البرد قاتل أكبر بكثير من الحرارة".
كان من بين الحضور في المؤتمر نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني اليميني الشعبوي، وستيف كونين، الذي اختاره "رايت" بنفسه للمشاركة في تأليف تقرير حكومي أمريكي شوّه الحقائق العلمية السائدة حول المناخ. كما ألقى رئيس مجلس النواب مايك جونسون كلمة مصورة أمام جمهور ضمّ بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق.
وجاءت تصريحات الوزير الأمريكي في الوقت الذي حذرت فيه الحكومات في جميع أنحاء أوروبا من أن درجات الحرارة القياسية المرتفعة تشكل مخاطر أشبه بموجة الحر التي ضربت القارة عام 2022 وأودت بحياة أكثر من 60 ألف شخص .
لكن "رايت" ركّز على الوفيات في أوروبا خلال شتاء عام 2022، عندما أدى اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع أسعار الطاقة، قائلًا إن "تأثيرات ذلك على الوفيات مدمرة".
ويلفت موقع "بوليتيكو" إلى أنه بالنسبة للعديد من الأوروبيين "تُعدّ موجة الحرّ التي شهدتها القارة العجوز هذا الأسبوع دليلًا إضافيًا على ضرورة الإجراءات السياسية التي تتخذها القارة لمواجهة آثار تغيّر المناخ. وتشمل هذه الإجراءات قانونًا أوروبيًا يدعو إلى خفض التلوث المناخي بنسبة 90% بحلول عام 2040. وتسعى المملكة المتحدة إلى خفض الانبعاثات بنسبة 87% بحلول عام 2042".
ضرر بالغ
ليست هذه المرة الأولى التي يصف فيها وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، درجات الحرارة المنخفضة بأنها أخطر من الحرارة المرتفعة. فالتدفئة غير الكافية قاتلة في فصل الشتاء، إذ تتجاوز وفيات البرد في أوروبا حاليًا وفيات الحرارة بنسبة 8 إلى 1.
لكن، كما يشير "بوليتيكو"، فإن الحرارة تشكّل تهديدًا حادًا ومتزايدًا للسكان مع تفاقم تغير المناخ وإطالة أمد موجات الحر القاتلة، التي أودت بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص في جميع أنحاء أوروبا خلال العقد الماضي. أما في الولايات المتحدة، فالحرارة هي السبب الرئيسي للوفاة المرتبطة بالطقس، متجاوزةً البرد.
وأجبرت موجة الحر الأوروبية المدارس على الإغلاق، وعطّلت حركة السفر، وألحقت ضررًا بالغًا بإمدادات الطاقة. وأُلغيت فعاليات عديدة ضمن أسبوع لندن للعمل المناخي، وهو الحدث المناخي الأبرز في المدينة، بسبب الظروف الحارة، بما في ذلك فعالية حول كيفية مواجهة الحر الشديد. وفي فرنسا، غرق نحو 40 شخصًا أثناء محاولتهم التخفيف من حرارة الجو.
ومع تزايد الضغط على إمدادات الطاقة عالميًا جراء الحرب في إيران، عززت أوروبا التزامها بالتحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة. إلا أنها تواجه ضغوطًا من إدارة ترامب لشراء المزيد من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي. وكثيرًا ما ينتقد ترامب القادة الأوروبيين لاستثمارهم فيما يسميه "مصادر الطاقة الخاسرة"، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية. وتلفت "بوليتيكو" إلى أنه "باختصار، تقول الولايات المتحدة لأوروبا ألا تهتم بتغير المناخ، حتى في الوقت الذي تعاني فيه القارة من آثاره".
تكييف ضروري
يُعدّ تكييف الهواء أحد الحلول لمواجهة تحدي الحرارة الشديدة في أوروبا، وفي فرنسا، يدعو حزب التجمع الوطني اليميني إلى توفيره للجميع. إلا أن استخدامه أثار انقسامات سياسية في أنحاء القارة. حيث يخشى بعض دعاة حماية البيئة من أن الاستخدام الواسع النطاق له آثار بيئية، ويُزيد الضغط على شبكة الكهرباء، ويتطلب تعديلات جذرية للبنية التحتية المصممة لأجواء أكثر برودة ورطوبة.
وبالتزامن مع إعلانه عن التراجع عن قرارٍ مهم مفاده أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري تُشكّل خطرًا على الصحة العامة والرفاهية، أقرّ ترامب بأنّ أجهزة التكييف "يمكن أن تنقذ الأرواح إذا كانت تعمل بالوقود الأحفوري".
وقال في فبراير الماضي: "لقد أنقذ الوقود الأحفوري ملايين الأرواح وانتشل مليارات الأشخاص من الفقر في جميع أنحاء العالم، وترى ذلك من خلال انقطاع التيار الكهربائي في كل مكان حيث لا يتم استخدامه"، ملقيًا باللوم على الطاقة المتجددة في انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع أسعار الكهرباء التي قال إنها حدت من وصول الناس إلى التبريد.
وقال: "الناس يموتون لعدم وجود تكييف هواء أو تدفئة، وأشياء أخرى كثيرة، لقد حدثت أشياء سيئة".