لم تكن الصواريخ والطائرات المُسيَّرة الإيرانية تُخطئ هدفها دائمًا، فبعضها وجد طريقه إلى قلب القوة البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وفي هذا الصدد رصدت صور الأقمار الصناعية التي حللتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، لأول مرة، الحجم الحقيقي للدمار الذي طال قاعدة "دعم القوات البحرية بالبحرين"، وهو دمار ظل طي الكتمان رغم أن تكلفة إعادة إعماره وحدها تتخطى 400 مليون دولار.
ما أخفاه البنتاجون عن الكونجرس والرأي العام
يكشف التحليل المعمَّق الذي أجرته صحيفة وول ستريت جورنال، بالاستناد إلى صور الأقمار الصناعية ومقاطع مصورة من منصات التواصل الاجتماعي وشهادات عسكريين حاليين وسابقين، أن القاعدة تعرضت لضربات متكررة بين أواخر فبراير ويونيو الماضيين، طالت أكثر من 12 مبنى، بينها مقر قيادة الأسطول الخامس الذي بات غير صالح للاستخدام، بحسب مسؤول أمريكي أطلع الصحيفة على التفاصيل.
ولم تسلم منشآت حيوية أخرى من الضربات، إذ دُمر مبنى تدريب قوات الأمن البحرية، وتضرر مستودع إدارة الطوارئ الذي يحتضن سيارات الإسعاف، وامتدت الأضرار لتشمل خزان المياه الصالحة للشرب ومستودعًا مجاورًا في المنطقة المائية، فضلًا عن قاعة الطعام الرئيسية وثكنة تستوعب نحو 450 فردًا.
وفي الجانب الأبعد من القاعدة، تلقى مجمع مستودعات مستأجر من البحرية الأمريكية الضربات الأشد وطأة، بما فيها قسم مخصص لطائرات مُسيَّرة تابعة لفرقة العمل 59، وهي أول وحدة بحرية أمريكية متخصصة في الطائرات المُسيَّرة والذكاء الاصطناعي.
وتُشير تقديرات "وول ستريت جورنال" المستندة إلى نماذج تكاليف وزارة الدفاع إلى أن تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية المادية للقاعدة وحدها تبلغ نحو 400 مليون دولار، دون احتساب تكاليف إزالة الأنقاض والتحصينات وما كان بداخل المباني.
قواعد الخليج في مرمى الصواريخ
لم تكن البحرين وحدها في مواجهة هذا الكابوس، إذ كشفت "وول ستريت جورنال" أن الضربات الإيرانية طالت أكثر من 20 موقعًا أمريكيًا في المنطقة، بين قواعد عسكرية ومنشآت دبلوماسية.
وفي الكويت، أُصيبت قاعدة علي السالم الجوية بأضرار هيكلية بالغة، فيما عانت قاعدة الظفرة في الإمارات المصير ذاته.
أما التكلفة الإجمالية للحرب فقد قدرها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) بنحو 40 مليار دولار، منها ما بين 2.2 و5.1 مليار دولار أضرار في القواعد الأمريكية.
ورغم ذلك، أحجم البنتاجون عن إدراج هذه الأرقام في تقديراته الرسمية البالغة 29 مليار دولار، وهو ما أثار موجة واسعة من الاستياء في أروقة الكونجرس.
وحين ضغط المشرعون على وزير الحرب بيت هيجسيث للحصول على أرقام واضحة، رد بسؤال مضاد: ما تكلفة امتلاك إيران لسلاح نووي؟
واشنطن تراجع وجودها في الخليج
كشف مسؤولون أمريكيون مطلعون على المداولات الداخلية، لـ"وول ستريت جورنال" أن واشنطن باتت تدرس جديًا إعادة هيكلة وجودها العسكري في المنطقة، بما يشمل تجديد قاعدة البحرين وتقليص الانتشار في الكويت والسعودية، وتحريك بعض القواعد غربًا بعيدًا عن مدى الصواريخ الإيرانية.
وتتصدر إسرائيل قائمة المواقع المرشحة لاستيعاب قدرات مُعاد تموضعها، إذ استضافت عشرات الطائرات الأمريكية خلال الحرب.
وما زاد من تعقيد المشهد أن بعض دول الخليج قيدت وصول القوات الأمريكية إلى قواعدها وأجوائها إبان النزاع.
في المقابل، عكست زيارة وزير الخارجية ماركو روبيو للمنامة مؤخرًا رسالة طمأنة أمريكية، إذ أكد التزام واشنطن بأمن البحرين وحرية الملاحة في مضيق هرمز، قائلاً: "الهجمات الإيرانية على البحرين كانت غير مقبولة، والولايات المتحدة تقف مع شعب البحرين وحكومتها".
ويرى الأدميرال المتقاعد كيفن دونيجان، القائد السابق للقوات البحرية الأمريكية في المنطقة، أن البحرين ستبقى محورًا لا غنى عنه، لكن الحرب غيرت قواعد اللعبة: "السؤال لم يعد إن كنا سنبقى، بل كيف سيبدو وجودنا في المرحلة المقبلة".
والقرارات المقبلة، ما يُعاد بناؤه وما يُهْجَر وإلى أين يتحرك الثقل الأمريكي، ستحدد ملامح الوجود العسكري في الشرق الأوسط لجيل كامل.