كشفت صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية عن مشهد قضائي استثنائي رسم ملامح المرحلة الأخيرة من محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إذ بدا المتهم الأقوى في تاريخ إسرائيل، وكأنه يخوض معركة من نوع آخر داخل قاعة المحكمة، لا بالحجج القانونية وحدها، بل بسلاح النسيان الانتقائي والروايات المتضاربة، في مواجهة مع المدعي العام يهوناتان تدمور، الذي تصفه الصحيفة بالصارم والمنهجي في ملاحقة المتهم.
النسيان سلاحًا
رصدت "هاآرتس" نمطًا ممنهجًا تكرر عبر جلسات الاستجواب كافة، إذ عجز نتنياهو عن استحضار أبسط التفاصيل، من أسماء الأشخاص وما قيل ومتى.
والأمر لا يقتصر على بُعد الزمن، إذ تشير الصحيفة إلى أن هذا النمط ليس وليد اليوم، بل يمتد إلى ما قبل عقود، حين كان يتبخر خيط الذاكرة لديه بعد أسابيع قليلة من وقوع الأحداث.
وتوضح "هاآرتس" أن نتنياهو تعلم من أمهر المحامين الذين مثلوه درسًا محوريًا، وهو أن الكذب الصريح القابل للدحض خطر، أما "لا أتذكر" فلا يمكن إثباتها كذبًا، ما لم تُكذبها وثيقة أو تسجيل، وهنا تحديدًا يكمن الفخ الذي وقع فيه.
فخ نصبه نتنياهو لنفسه
وفقًا لـ"هاآرتس"، أكد شلومو فيلبر، شاهد الإدعاء في القضية، في شهادته للشرطة أن نتنياهو كان يُفضل التواصل بلغة الجسد تحاشيًا لأي توثيق مسموع، وقع ضحيةً لتسجيل من صنع يديه، حيث أقدم سرًا على تسجيل محادثاته مع صاحب صحيفة "يديعوت أحرونوت" أرنون موزس في عامَي 2009 و2014 قُبيل انتخابات الكنيست، في ما وصفه الادعاء العام بصفقة رشوة تضمنت تغطية إعلامية مؤاتية مقابل نفوذ تشريعي.
وحين أُحرج بهذه التسجيلات أمام المحكمة، عاد نتنياهو فورًا إلى ملجئه المعتاد، وهو النسيان، زاعمًا أن تلك المحادثات كانت هامشية لدرجة أنها طارت من ذاكرته كليًا.
روايتان لا تلتقيان
للدفاع عن صفقته مع موزس، قدم نتنياهو روايتين متناقضتين بحسب "هاآرتس"، الأولى أن موزس صحفي وما جرى تبادل مهني مألوف بين الإعلام والسياسة، والثانية وهي الأشد غرابة -وفق ما تشير الصحيفة العبرية- أن موزس زعيم معارضة سياسية، ولهذا فإن الاتفاق معه مناورة مشروعة لا تُستنكر، وكأن تناقض الروايتين لم يكن يُلاحظه أحد.
ولجأ نتنياهو أيضًا إلى حجة قانونية أخرى، إذ استشهد بموقف مستشاره السابق راز نزري، أحد كبار المسؤولين في النيابة القانونية للحكومة، الذي أبدى في حينه رأيًا بعدم وجود مخالفة جنائية في تلك المحادثات، متسائلًا: كيف يُحاسَب على ما أجازه من هو أعلم منه بالقانون؟
غير أن "هاآرتس" تكشف أن نزري نفسه كان من المؤيدين لتوجيه الاتهامات لنتنياهو في قضايا أخرى، ما يُسقط الحجة ويقلبها ضده.
ملف لن يُغلق بسهولة
ولفتت "هاآرتس" إلى غياب لافت في هذه المرحلة الحاسمة، إذ لم يمثل أمام المحكمة كل من المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف-ميارا ومحامي الدولة شاي نيتسان، رغم أن حضورهما طُلب في محطات مفصلية عدة دعمًا صامتًا لفريق الادعاء، وهو غياب وصفته الصحيفة بالمُحيِّر في قضية بهذا الثقل.
وعلى صعيد المآلات، تصف الصحيفة أفق نتنياهو القانوني بالقاتم، إذ إن فرص التسوية بالخروج من البلاد تبخرت في أعقاب توتر علاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والعفو الرئاسي من الرئيس إسحق هرتسوج بات مدفونًا، فيما يظل خيار العفو العام بمناسبة الذكرى الثمانين لإقامة الدولة عام 2028 ورقةً هشة في مهب الريح.
وتختتم "هاآرتس" بملاحظة لاذعة، وهي أن المحكمة العليا، حتى لو حاول نتنياهو إعادة رسم خريطة النيابة القضائية، ستبقى حارسة للملف وعازمة على استكماله حتى النهاية.