بينما يفر آلاف اللاجئين عبر طرق خطرة تاركين كل ما يملكون بحثًا عن الأمان والأمل والمستقبل، يجد كثير منهم أنفسهم عالقين بين سياسات هجرة أكثر تشددًا على جانبي الحدود الأمريكية الكندية، ما يضع بعضهم أمام مخاطر قد تكون أشد قسوة من تلك التي هربوا منها في الأصل.
رحلة البحث عن الأمان
ينص القانون الدولي على حق الأشخاص الفارين من النزاعات أو الاضطهاد في طلب الحماية الدولية. وعلى مدى عقود، اعتُبرت كندا إحدى الوجهات الرئيسية لطالبي اللجوء، بفضل سياساتها التي عُرفت بالانفتاح النسبي مقارنة بدول أخرى.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيرًا ملحوظًا في سياسة اللجوء الكندية، خاصة فيما يتعلق بالقادمين عبر الولايات المتحدة، في ظل تطبيق وتوسيع ما يُعرف بـ"اتفاقية الدولة الثالثة الآمنة" بين البلدين.
أسرة من هندوراس
سلّطت صحيفة "الجارديان" البريطانية الضوء على معاناة أسرة من هندوراس فرت من تهديدات العصابات المسلحة التي تسيطر على مناطق واسعة من البلاد.
وصلت الأسرة أولًا إلى الولايات المتحدة أملًا في الحصول على الحماية، إلا أن تشديد سياسات الهجرة والترحيل دفعها إلى البحث عن ملاذ آخر. وبناءً على نصيحة قانونية، توجه الأب وزوجته وطفلهما إلى الحدود الكندية، حيث يقيم عدد من أقارب الأب.
لكن المفاجأة أن السلطات الكندية اعتبرت الأب والطفل فقط مؤهلين للاستفادة من استثناء يتعلق بوجود أقارب في كندا، بينما لم ينطبق الاستثناء نفسه على الأم، ما يعني إمكانية قبول بعض أفراد الأسرة ورفض آخرين.
رفضت الأسرة الانفصال وعادت مجتمعة إلى الولايات المتحدة، قبل أن يتم ترحيلها لاحقًا إلى هندوراس، حيث تواجه مجددًا التهديدات التي دفعتها إلى الفرار في المقام الأول.
ما هي اتفاقية "الدولة الثالثة الآمنة"؟
أقرت المحكمة العليا الكندية دستورية تصنيف الولايات المتحدة باعتبارها "دولة ثالثة آمنة"، معتبرة أن الاتفاقية تتوافق مع مبادئ العدالة الأساسية الواردة في المادة السابعة من ميثاق الحقوق والحريات الكندي.
وتنص الاتفاقية على أن طالبي اللجوء يجب أن يتقدموا بطلب الحماية في أول دولة آمنة يصلون إليها. وبناءً على ذلك، فإن الأشخاص الذين يصلون إلى الحدود الكندية قادمين من الولايات المتحدة لا يُسمح لهم عادةً بتقديم طلب لجوء في كندا، ويتم إعادتهم إلى الولايات المتحدة، ما لم تنطبق عليهم استثناءات محددة، مثل وجود أفراد من الأسرة في كندا أو حالات إنسانية خاصة.
وفي مارس 2023، اتفقت أوتاوا وواشنطن على توسيع نطاق الاتفاقية لتشمل كامل الحدود البرية والممرات المائية الداخلية، بعدما كانت تطبق أساسًا على المعابر الحدودية الرسمية فقط. ودخل القرار حيز التنفيذ في 25 مارس من العام نفسه.
لماذا شددت كندا إجراءات اللجوء؟
تقول الحكومة الكندية إن الاتفاقية تهدف إلى تنظيم تدفقات طالبي اللجوء بين البلدين وضمان تقديم طلبات الحماية في أول دولة آمنة يصل إليها الشخص.
وترى أوتاوا أن توسيع الاتفاقية يساعد على تعزيز "الهجرة الآمنة والمنظمة والعادلة"، ويحدُّ من عمليات العبور غير النظامية عبر الحدود، كما يساهم في تحسين إدارة نظام اللجوء وتخفيف الضغوط على المؤسسات المختصة باستقبال الطلبات.
كما تأتي هذه الإجراءات في وقت تواجه فيه كندا ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع أعداد طالبي اللجوء وتنامي الجدل السياسي الداخلي بشأن سياسات الهجرة والاستيعاب.
انتقادات حقوقية متزايدة
في المقابل، تواجه الحكومة الكندية انتقادات متصاعدة من منظمات حقوق الإنسان وخبراء القانون والهجرة، الذين يشككون في استمرار اعتبار الولايات المتحدة "دولة ثالثة آمنة" لجميع طالبي اللجوء.
ويشير المنتقدون إلى مخاوف تتعلق باحتجاز بعض طالبي اللجوء لفترات طويلة داخل الولايات المتحدة، وإمكانية ترحيل بعضهم إلى بلدان قد يتعرضون فيها للاضطهاد أو الخطر.
كما أثارت التشريعات الكندية الأخيرة التي فرضت قيودًا إضافية على أهلية التقدم بطلبات اللجوء جدلًا سياسيًا واسعًا، حيث اتهم معارضون حكومة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بتبني نهج أكثر تشددًا في ملف الهجرة، يشبه في بعض جوانبه السياسات التي اتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وبينما تؤكد الحكومتان الأمريكية والكندية أن الإجراءات الجديدة ضرورية لتنظيم اللجوء وضبط الحدود، يرى المدافعون عن حقوق اللاجئين أن هذه السياسات قد تدفع أشخاصًا ضعفاء إلى العودة لمناطق الخطر، أو إلى سلوك طرق أكثر خطورة بحثًا عن الأمان.