أثارت الخلافات المتزايدة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين مخاوف متصاعدة بشأن مستقبل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، في ظل تباين الروايات حول أسباب تراجع التضامن عبر الأطلسي، خاصة بعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران والجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند.
ورأت ليانا فيكس، الباحثة البارزة في الشؤون الأوروبية بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن الطرفين باتا يطوران سرديات متنافسة حول "الخيانة والتخلي"، وهو ما يهدد بتحويل الخلافات الحالية إلى شرخ دائم داخل التحالف الغربي، بحسب صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.
حرب إيران
أشار مسؤول أوروبي زار واشنطن أخيرًا، إلى أن الحرب مع إيران تحولت إلى "ثقب أسود" يبتلع كل شيء، بما في ذلك حلف الناتو، معتبرًا أن الأوروبيين لا يفهمون سبب تعرض الحلف للاهتزاز بسبب نزاع لا يقع ضمن نطاق الدفاع الجماعي للحلف.
في الوقت نفسه، سادت داخل إدارة ترامب وأوساط المحافظين الأمريكيين حالة من الاستياء تجاه الموقف الأوروبي، إذ اعتبر بعض المسؤولين أن الحلفاء الأوروبيين لم يبدوا قدرًا كافيًا من التضامن مع واشنطن خلال الأزمة، حتى وإن لم يشاركوا بشكل مباشر في العمليات العسكرية، وبرزت انتقادات لرفض بعض الدول الأوروبية استخدام قواعدها العسكرية لدعم التحركات الأمريكية.
روايات متنافسة
وصفت الكاتبة الوضع الحالي بأنه يشبه طلاقًا فوضويًا بين ضفتي الأطلسي، بعدما بدأ كل طرف في بناء روايته الخاصة حول أسباب التباعد، محذرة من أن هذه السرديات قد ترسم شكل العلاقات المستقبلية بين الجانبين.
إضافة إلى ذلك، استحضرت فيكس مصطلحًا ألمانيًا هو "Dolchstoßlegende"، ويعني "أسطورة الطعنة في الظهر"، وهو تعبير ارتبط بالرواية التي انتشرت في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، التي زعمت أن الجيش لم يُهزم عسكريًا بل تعرض للخيانة من الداخل، مشيرة إلى أن مثل هذه السرديات تجعل من الصعب بناء أرضية مشتركة جديدة بعد انتهاء الخلافات.
أزمة جرينلاند
اعتبر كثير من الأوروبيين أن نقطة التحول الأساسية جاءت مع تصريحات ترامب بشأن جرينلاند، عندما دعا إلى مفاوضات فورية لبحث ضم الجزيرة، وهو ما فُسر داخل العواصم الأوروبية على أنه تشكيك في سيادة أحد حلفاء الولايات المتحدة.
في الأثناء، دفعت تلك التصريحات العديد من الحكومات الأوروبية إلى دراسة سيناريوهات دفاعية بديلة تعتمد بدرجة أقل على واشنطن، بينما قلل مسؤولون أمريكيون من أهمية القضية، واعتبر بعضهم أن رد الفعل الأوروبي مبالغ فيه، ما عمّق فجوة الفهم المتبادل بين الجانبين.
مستقبل الحلف
رأت ليانا فيكس، الباحثة البارزة في الشؤون الأوروبية بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن الأوروبيين ينظرون إلى جرينلاند باعتبارها لحظة فاصلة دفعتهم للتفكير في الدفاع عن القارة دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، بينما ترى واشنطن أن الموقف الأوروبي خلال الحرب مع إيران كشف هشاشة التضامن داخل الحلف.
إلى جانب ذلك، أشارت إلى أن الآمال التي ظهرت بعد إعادة انتخاب ترامب بشأن إعادة توزيع الأعباء الدفاعية داخل الناتو بشكل منظم بدأت تتراجع، مع الحديث عن سحب قوات أمريكية من ألمانيا ومراجعة الانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا.
واختتمت الكاتبة بالتحذير من أن استمرار تبادل الاتهامات بين الطرفين قد يؤدي إلى إضعاف الحلف بصورة غير مسبوقة، مؤكدة أن مستقبل الناتو سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الأمريكيين والأوروبيين على الاتفاق بشأن أسباب الأزمة الحالية، وإلا فإن فرص إعادة بناء الثقة والتعاون قد تصبح أكثر صعوبة خلال السنوات المقبلة.