تواجه الحكومات الأوروبية ضغوطًا متزايدة لإعادة صياغة أولوياتها المالية والأمنية، في ظل التهديدات المتصاعدة التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية، ما دفع العديد من تلك الحكومات إلى مواجهة خيارات صعبة، في وقت باتت فيه الحاجة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
فاتورة الدفاع
بحسب صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، يُوصف الفنلنديون بأنهم أسعد شعوب العالم، لكن وزير الشؤون الاقتصادية الفنلندي ساكاري بويستو، رسم صورة اقتصادية أكثر حذرًا، فعلى الرغم من تسجيل الاقتصاد أفضل أداء فصلي منذ التعافي من الجائحة، فإن النمو لا يزال عند 0.9% فقط.
ويقول الوزير، إن التحدي الأكبر يأتي من الحرب الروسية على أوكرانيا، التي دفعت فنلندا إلى تعزيز قدراتها العسكرية بصورة مباشرة بعد عقود من الحياد، مسار يتطلب موارد مالية كبيرة لا يمكن توفيرها بسهولة.
وكانت فنلندا تنفق بالفعل أكثر من 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، إلا أن انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي عام 2023، فرض عليها رفع الإنفاق إلى 3.5% للقدرات العسكرية الأساسية، إضافة إلى 1.5% للاستثمارات الأمنية وتعزيز القدرة على الصمود.
وتتصدر فنلندا مؤشر السعادة العالمي للأمم المتحدة منذ تسع سنوات متتالية، ويعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى قوة نظام الرعاية الاجتماعية فيها.
معضلة أوروبية
تشير الصحيفة البريطانية إلى أن فنلندا ليست حالة استثنائية، إذ بدأت الدول الأوروبية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، إعادة تقييم أوضاعها الدفاعية لمواجهة أكبر تهديد أمني منذ نهاية الحرب الباردة.
ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أصبح واضحًا أن الاعتماد الأوروبي الطويل على المظلة الأمنية الأمريكية يقترب من نهايته، ما دفع الحكومات إلى البحث عن مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي العسكري.
وتسعى الدول الأوروبية إلى الاقتراب من هدف الحلف البالغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، بينما تتحرك الدول القريبة من روسيا بوتيرة أسرع من غيرها، بسبب شعورها المباشر بالتهديد.
خيارات صعبة
توضح الصحيفة أن تعزيز القدرات الدفاعية يتطلب إما زيادة الاقتراض أو رفع الضرائب أو خفض الإنفاق العام، ولا يبدو أي من هذه الخيارات سهلًا سياسيًا أو اقتصاديًا.
فالكثير من الدول الأوروبية تعاني بالفعل مستويات مرتفعة من الديون، بينما يواجه السياسيون صعوبة في فرض ضرائب جديدة على مواطنين يرزحون تحت ضغوط المعيشة والتباطؤ الاقتصادي.
أما خفض الإنفاق العام، فيصطدم بطبيعة دولة الرفاهية الأوروبية، التي تعتمد عليها شرائح واسعة من السكان في مختلف مراحل حياتهم، ما يجعل أي تقليص لها قضية سياسية حساسة.
إصلاحات مؤلمة
وترى الحكومات الأوروبية أن تحقيق معدلات نمو أعلى قد يساعد في تخفيف الضغوط المالية، غير أن اقتصادات شمال غرب أوروبا لا تزال تسجل نموًا يقترب من 1% فقط.
وبحسب حسابات "ذا تليجراف"، تحتاج فرنسا إلى ما لا يقل عن 25 مليار دولار سنويًا لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.9% بحلول عام 2027، بينما يتطلب الوصول إلى مستوى 5% أكثر من 90 مليار دولار.
وفي السويد، يتطلب الوصول إلى هدف 3.5% بحلول عام 2030 توفير ستة مليارات دولار إضافية سنويًا، فيما تخطط الحكومة للاعتماد على الاقتراض، خلال السنوات الأولى من زيادة الإنفاق العسكري.
فرض ضرائب أعلى
تناقش السويد ودول أوروبية أخرى فرض ضرائب أعلى على أصحاب الدخول المرتفعة أو الثروات الكبيرة، لكن الخبراء يحذرون من تأثير ذلك على القاعدة الضريبية على المدى الطويل.
وفي ألمانيا، يعتمد المستشار فريدريش ميرز على الاقتراض لزيادة الإنفاق الدفاعي، بالتوازي مع مراجعات واسعة لأنظمة المعاشات والرعاية الصحية التي شكلت ركائز دولة الرفاهية لعقود.
أما في بريطانيا، فحدد كير ستارمر هدفًا لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، إلا أن التردد في تقليص الإنفاق الاجتماعي حد من الموارد المخصصة لهذا الهدف.
مفاضلة حاسمة
يرى أندرو كينينجهام من شركة كابيتال إيكونوميكس، أن كثيرًا من الحكومات الأوروبية قد تجد نفسها عاجزة عن تحمل كلفة المفاضلات المطلوبة بين الدفاع والرعاية الاجتماعية.
وأشار إلى أن بعض الدول قد لا تحقق أهدافها الدفاعية بالكامل، أو قد تلجأ إلى إعادة تصنيف نفقات أخرى باعتبارها إنفاقًا دفاعيًا، أو تتحرك بوتيرة أبطأ من المعلن.
وتخلص الصحيفة إلى أن الحكومات الأوروبية تجد نفسها أمام خيارات جميعها مكلفة سياسيًا، فإما زيادة الديون أو رفع الضرائب أو تقليص الرعاية الاجتماعية، بينما قد يؤدي أي من هذه المسارات إلى تعزيز القوى الشعبوية أو إلى استمرار فجوة الإنفاق الدفاعي في مواجهة التهديد الروسي.