الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ما فرص الأحزاب الإسلامية في انتخابات البرلمان الجزائري؟

  • مشاركة :
post-title
سيتم انتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني في الجزائر 2 يوليو 2026

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

في 2 يوليو 2026، يخرج الجزائريون للإدلاء بأصواتهم لاختيار 408 عضوًا في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى في البرلمان)، ولا تمثل هذه الانتخابات مجرد منافسة على المقاعد البرلمانية، بل تشكل اختبارًا لموقف الشارع الجزائري من حركة مجتمع السلم (إخوان الجزائر) والأحزاب المنشقة منها، التي يعد أهمها، وفقًا لعدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، حزب العدالة والتنمية وحركة البناء الوطني.

يُذكر أنه يتنافس في هذه الانتخابات نحو 11 ألف مترشح للفوز بـ 407 مقاعد برلمانية، من خلال 854 قائمة انتخابية، بينها 710 قوائم حزبية تمثل 34 حزبًا سياسيًا وتحالفين انتخابيين، مقابل 144 قائمة للمستقلين، فيما يبلغ عدد الهيئة الناخبة نحو 24.7 مليون ناخب داخل الجزائر وخارجها.

تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: ما فرص الأحزاب الإسلامية في انتخابات البرلمان الجزائري؟

دوافع حزبية

تنطلق الأحزاب الإسلامية الجزائرية في موقفها من الانتخابات التشريعية المقبلة من مجموعة من الاعتبارات السياسية والتنظيمية التي تدفعها إلى التمسك بخيار المشاركة، يمكن حصرها في:

(*) الرغبة في تعزيز الحضور البرلماني: ترى الأحزاب الإسلامية الجزائرية أن الانتخابات التشريعية تمثل إحدى أهم الآليات المتاحة لتعزيز حضورها السياسي والتأثير في عملية صنع القرار من داخل مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، أطلقت حركة مجتمع السلم حملتها الانتخابية تحت شعار "ثقة"، في إشارة إلى سعيها لتعزيز موقعها الانتخابي. كما تنظر الأحزاب المنشقة عن حركة مجتمع السلم إلى انتخابات 2026 بوصفها فرصة لتعزيز حضورها وتغلغلها.

(*) الاستفادة من تراجع الاستقطاب الأيديولوجي: شهدت الجزائر خلال السنوات الأخيرة تراجعًا نسبيًا في الانقسامات الأيديولوجية التقليدية بين الإسلاميين والعلمانيين، مقابل تصاعد الاهتمام بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية مثل البطالة والتنمية وتحسين الخدمات العامة. فقد ركزت البرامج الانتخابية على ملفات البطالة، وتحسين القدرة الشرائية، وتشجيع الاستثمار، ومكافحة الفساد، وتطوير الخدمات العامة، بدلًا من التركيز المكثف على القضايا الأيديولوجية التي كانت حاضرة بقوة في مراحل سابقة. ويرتبط هذا التحول بإدراك الأحزاب الإسلامية أن أولويات الناخب الجزائري تغيرت خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت القضايا الاقتصادية والاجتماعية تحتل موقعًا متقدمًا في اهتماماته اليومية. ولذلك تحاول هذه الأحزاب تقديم نفسها كقوى سياسية تمتلك حلولًا عملية لمشكلات التنمية والاقتصاد، وليس كتيارات ذات طابع فكري أو ديني فقط.

(*) المنافسة داخل التيار الإسلامي نفسه: اللافت في الانتخابات الحالية أن المنافسة لا تقتصر على الأحزاب الموالية والمعارضة، بل تمتد أيضًا إلى داخل التيار الإسلامي ذاته. فكل من حركة مجتمع السلم، وحركة البناء الوطني، وجبهة العدالة والتنمية يسعى إلى إثبات أنه الممثل الأقوى للتيار الإسلامي في البرلمان القائم. ولا تقتصر المنافسة على عدد المقاعد البرلمانية فحسب، بل تمتد إلى إثبات القدرة على تمثيل التوجه الإسلامي المعتدل داخل الحياة السياسية الجزائرية. وتعود هذه المنافسة إلى غياب إطار انتخابي موحد يجمع مختلف الأحزاب الإسلامية، ما يدفع كل حزب إلى خوض الانتخابات ببرنامجه وقوائمه الخاصة. وفي الوقت نفسه، تدرك هذه القوى أن حجم تمثيلها البرلماني سيكون عاملًا مؤثرًا في تحديد وزنها السياسي خلال المرحلة المقبلة، سواء فيما يتعلق بالمشاركة في النقاشات التشريعية أو بناء التحالفات السياسية داخل البرلمان.

تحديات ورهانات

على الرغم من إصرار الأحزاب الإسلامية على خوض الانتخابات التشريعية بقوة، فإنها تواجه جملة من التحديات التي قد تؤثر على حجم مكاسبها المرتقبة، تتمثل في:

(*) هيمنة الأحزاب التقليدية: تواجه الأحزاب الإسلامية تحديًا رئيسيًا يتمثل في قوة الأحزاب التقليدية التي تمتلك خبرة انتخابية طويلة وشبكات تنظيمية واسعة على المستوى المحلي والوطني، وعلى رأسها جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي. فهذه الأحزاب ما زالت تحتفظ بقدرة كبيرة على إدارة الحملات الانتخابية واستقطاب الناخبين، مستفيدة من انتشارها في مختلف الولايات والبلديات الجزائرية.

(*) إثارة الجدل حول إقصاء بعض المرشحين: أثارت المادة 200 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات جدلًا واسعًا خلال مرحلة إعداد القوائم الانتخابية، بعدما أدت إلى استبعاد عدد من المرشحين على خلفية شبهات تتعلق بالفساد أو التأثير غير المشروع على الناخبين. وتنص تلك المادة على جملة من شروط الترشح المرتبطة أساسًا بالنزاهة والسلوك، بينها عدم ارتباط المترشح بأوساط المال الفاسد أو بممارسات من شأنها المساس بنزاهة العملية الانتخابية. وقد شملت عمليات الإقصاء مرشحين من أحزاب مختلفة، ما دفع قوى سياسية عدة إلى المطالبة بضمانات أكبر للشفافية واحترام الحقوق السياسية، ويُعد هذا الملف من أبرز التحديات التي واجهت جميع الأحزاب المشاركة بما فيها الأحزاب الإسلامية.

(*) احتمالية ضعف المشاركة الشعبية: تمثل فئة الشباب النسبة الأكبر من الكتلة الانتخابية الجزائرية، إلا أن نسبة مهمة من الشباب أصبحت أقل ارتباطًا بالانتماءات الأيديولوجية التقليدية وأكثر اهتمامًا بالقضايا المرتبطة بالعمل والسكن وتحسين مستوى المعيشة. ولهذا السبب، تسعى الأحزاب الإسلامية إلى تطوير خطابها السياسي وبرامجها الانتخابية بما يتناسب مع أولويات هذه الفئة. غير أن نجاحها في ذلك يظل رهينًا بقدرتها على تقديم رؤى واقعية وقابلة للتنفيذ، خاصة في ظل تصاعد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومات السياسية لدى الأجيال الجديدة. إذ تواجه هذه الأحزاب تحديًا إضافيًا يتمثل في إقناع الشباب بالمشاركة في الانتخابات، في وقت لا تزال فيه معدلات العزوف السياسي تشكل مصدر قلق للطبقة السياسية الجزائرية بشكل عام.

ختامًا، يمكن القول إنه حتى في حال تحقيق نتائج إيجابية، تبدو فرص الإسلاميين قائمة في تحسين مواقعهم داخل البرلمان المقبل، إلا أن قدرتهم على إحداث تغيير جوهري في موازين القوى السياسية ستظل مرتبطة بحجم المقاعد التي سيحصلون عليها ومدى نجاحهم في بناء تحالفات برلمانية مؤثرة بعد الانتخابات. فالنظام الحزبي الجزائري يتسم بالتعددية، ما يجعل من الصعب على أي حزب بمفرده الحصول على أغلبية مريحة تمكنه من فرض أجندته السياسية. ومن ثم، فإن نتائج هذا الاستحقاق لن تحدد فقط حجم التمثيل البرلماني للأحزاب الإسلامية، بل ستكشف أيضًا عن مدى قدرتها على التكيف مع التحولات التي يشهدها المشهد السياسي الجزائري، وعلى تحويل حضورها الانتخابي إلى تأثير فعلي في صياغة السياسات العامة خلال المرحلة المقبلة.