وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان مذكرة تفاهم "إلكترونية" تقضي بوقف العمليات العسكرية بين البلدين، وبدء هدنة لمدة 60 يومًا تدخل حيز التنفيذ الفوري، للتوصل إلى اتفاق نهائي وملزم، وذلك على هامش حفل العشاء الذي جمع الرئيس الأمريكي بنظيره الفرنسي إيمانويل في قصر فرساي، قبيل انعقاد قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية.
وطبقًا لما أعلنته وزارة الخارجية الإيرانية، تتضمن مذكرة التفاهم المكونة من 14 بندًا التزام الطرفين بعدم الانسحاب والدخول فورًا في مفاوضات لترجمة المذكرة إلى اتفاق نهائي، مع تعهد واشنطن بإلغاء العقوبات وفق جدول زمني محدد، والعمل مع شركائها الدوليين على وضع برنامج لإعادة إعمار إيران بتمويل لا يقل عن 300 مليار دولار، مقابل الحفاظ على الوضع الراهن للبرنامج النووي الإيراني وتعهد أمريكي بعدم فرض عقوبات جديدة أو نشر قوات إضافية، مع التأكيد على أن استمرار التفاوض مرهون بوقف شامل للحرب يشمل الجبهة اللبنانية.
ويرى خبراء خلال حديثهم لـ"القاهرة الإخبارية"، أن هذا التحرك على هامش قمة السبع بفرنسا لا يعكس اختراقًا إستراتيجيًا، بقدر ما يمثل "إدارة مؤقتة لوقف التصعيد" ومحاولة للاستثمار السياسي اللحظي.
وقف التصعيد
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد عز العرب، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن الخطوة لا تعدو كونها "إدارة مؤقتة لوقف التصعيد"، وليست صيغة مستقرة لاتفاق سياسي مستدام قابل للحياة.
وأوضح أن ترامب -الذي طالما انتقد اتفاق أوباما لعام 2015- يدور الآن في الفلك ذاته، وأن ما يحدث في عام 2026 هو امتداد لذلك الاتفاق في العقل الباطن لكلا الطرفين، ما يجعل المشهد أقرب إلى الجري في المكان دون تحقيق أي قفزة استراتيجية حقيقية.
وأشار "عز العرب" إلى جملة من الثغرات والشواغل التي تم ترحيلها ولم تشملها المذكرة، مبينًا أن الشيطان يكمن في تفاصيل الـ60 يومًا المقبلة، إذ لم تتطرق المسودة من قريب أو بعيد لعلاقة طهران بوكلائها في المنطقة "حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي في العراق، وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن"، والذين طالما استخدمتهم طهران لتهديد الاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة، فضلًا عن غياب أي بند يتعامل مع منصات الصواريخ البالستية الإيرانية التي تشكل تهديدًا مباشرًا لدول الجوار، إلى جانب تسريب بند يمنح إدارة مضيق هرمز لإيران وسلطنة عُمان وهو ما يخالف قواعد القانون الدولي، فضلًا عن تغييب دول الخليج العربي عن المفاوضات رغم كونها طرفاً متضرراً من الحروب غير المباشرة.
وحذر "عز العرب" من المحاولات الإسرائيلية المستمرة "لتفخيخ" هذا المسار عبر استفزاز طهران وجرها لمواجهات عسكرية لإفساد أي تهدئة، لافتًا إلى أن هذه المواجهات أثبتت أن العالم كله "خاسر" باستثناء قوى معينة استثمرت الأزمة اقتصاديًا.
الأوساط الأمريكية
أكد أحمد محارم، الباحث السياسي من واشنطن، أن الأوساط الشعبية والسياسية في الولايات المتحدة تشهد تفاعلًا كبيرًا عقب الإعلان المفاجئ عن توقيع مذكرة التفاهم الإلكترونية بين ترامب وبزشكيان.
وأوضح "محارم"، في حديثه لـ"القاهرة الإخبارية"، أن الشارع الأمريكي يعيش حالة من الارتياح العام؛ نظرًا لأن المواطن العادي يبحث دائمًا عن مؤشراته الاقتصادية المباشرة، متوقعًا أن يسهم هذا الاتفاق في خفض أسعار البنزين وتراجع معدلات التضخم، فضلًا عن الارتياح لقرار عودة القوات الأمريكية التي أمضت أكثر من 100 يوم في المنطقة.
وأشار الباحث السياسي إلى وجود انقسام حاد وسجال مستمر بين المؤيدين والمعارضين، مؤكدًا أن معارضي ترامب سارعوا إلى عقد مقارنة وصفها بـ "الظالمة" بين هذا الاتفاق واتفاق باراك أوباما لعام 2015.
وبيّن "محارم" أن الظروف اختلفت تمامًا، فلم تكن هناك حرب قائمة إبان عهد أوباما، كما أن لغة الأرقام تضاعفت بشكل لا يمكن مقارنته، فبينما كان ترامب ينتقد أوباما لمنحه إيران 1.3 مليار دولار، تتحدث طهران اليوم عن تعهدات وإعادة إعمار بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.
وأضاف "محارم" أن الصيغة الحالية حققت معادلة "الكل رابح"، فلإيران الحق في تسويق الاتفاق كأنه انتصار لها، وفي المقابل حقق ترامب انتصارًا -ولو شكليًا- بوقف نزيف الحرب، وتمكنه لأول مرة من الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب على الجبهة اللبنانية، مقابل تفكيك طهران لمعادلة "وحدة الساحات" ووقف القتال في كل الجبهات.
وحذر الباحث السياسي من أن فترة الـ 60 يومًا المحددة للمفاوضات ستكون "ملغمة" واختبارًا فائق الصعوبة لجميع الأطراف، ورغم أن واشنطن وطهران لا تريدان انهيار هذا المسار، إلا أن البنود الـ14 الواردة في مذكرة التفاهم تظل غير كافية للإجابة على القضايا الفنية المعقدة والملفات العالقة التي رُحلت لطاولة التفاوض، وعلى رأسها الملف النووي.