تستند العلاقات المصرية الإماراتية إلى أسس وقواعد صلبة أسهمت في استمراريتها بنسق متصاعد طوال العقود الماضية حتى بلغت مرحلة الشراكة الاستراتيجية الراسخة والعصية على كل المتغيرات والتحديات من حولها.
وتعد الانطلاقة القوية التي شهدتها المرحلة التأسيسية لعلاقة البلدين أحد أهم أسرار النجاح الذي حققته هذه العلاقة على الصُعد كافة بفضل التوجيهات الحكيمة والجهود الدؤوبة والنية الصادقة للقيادات المتعاقبة في كلا البلدين في أن تغدو العلاقات المصرية الإماراتية نموذجًا يحتذى على الصعيدين العربي والعالمي.
وصلت خصوصية العلاقات بين القاهرة وأبو ظبي ذروتها خلال الفترة الحالية، فقد شهدت تطورًا كبيرًا ونوعيًا في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية وغيرها، ونموًا ملحوظًا في معدل التبادل التجاري، وزيادة كبيرة في حجم الاستثمارات الإماراتية في القطاعات الاقتصادية المصرية المختلفة .
تقارب سياسي
شهدت السنوات الأخيرة تنسيقًا وثيقًا بين الجانبين بشأن عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها القضايا الفلسطينية والعراقية واللبنانية والليبية واليمنية والسورية، في ظل تقارب واضح في الرؤى والمواقف السياسية تجاه أزمات المنطقة.
ويستند هذا التقارب إلى التأكيد على أولوية الحلول السياسية للأزمات، بما يسهم في وقف نزيف الدماء والحفاظ على مقدرات الشعوب ووحدة الدول العربية وسلامة أراضيها، إلى جانب تعزيز العمل العربي المشترك والجهود الدولية الرامية إلى تسوية النزاعات
تحركات رئاسية
شهد عام 2026 نشاطًا مكثفًا على مستوى التواصل بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في إطار التنسيق المستمر بين البلدين بشأن التطورات الإقليمية وتعزيز العلاقات الثنائية.
ففي فبراير 2026، أجرى الرئيس السيسي اتصالًا هاتفيًا بنظيره الإماراتي، أعرب خلاله عن تضامن مصر الكامل مع الإمارات عقب الاعتداءات الإيرانية، مؤكدًا رفض أي مساس بأمن الدول العربية والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية. كما التقى الزعيمان في أبوظبي، حيث أكدا عمق العلاقات الثنائية وضرورة توسيع التعاون، خاصة في مجالي التجارة والاستثمار.
وفي مارس 2026، قام الرئيس السيسي بزيارة أخوية إلى الإمارات، شدد خلالها على أن أمن الخليج امتداد للأمن القومي المصري، مؤكدًا دعم مصر الكامل للإمارات ورفضها الاعتداءات التي استهدفت أراضيها، فيما بحث الجانبان سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية.
وخلال مايو 2026، أجرى الرئيس السيسي اتصالًا هاتفيًا مع الشيخ محمد بن زايد لتأكيد تضامن مصر مع الإمارات وإدانة الاعتداءات الإيرانية، قبل أن يقوم بزيارة أخوية جديدة إلى أبوظبي، جدد خلالها موقف مصر الداعم لأمن الإمارات، وبحث مع القيادة الإماراتية سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري والتشاور بشأن التطورات الإقليمية.
أمن مصر من أمن الخليج
يؤكد التطور المتنامي في مسار العلاقات الإماراتية المصرية، والتوافق في الرؤى بين قيادتي الدولتين إزاء مجمل القضايا الإقليمية والدولية، والتعاون المستمر فيما بينهما من أجل التصدي للمخاطر التي تهدد الأمن القومي العربي، أن الشراكة الاستراتيجية التي تجمعهما وتترسخ يومًا بعد الآخر في مختلف المجالات تمثل رصيدًا للأمة العربية بأكملها، وتعزز من قدرتها ومناعتها في مواجهة التحديات.
وتؤكد القيادة المصرية دائمًا أن أمن مصر القومي مرتبط بأمن منطقة الخليج العربي عامة، وبدولة الإمارات خاصة، وهو ما ظهر جليًا في تصريحات القادة العسكريين في مصر أو مؤسسة الرئاسة، إذ برزت أهمية مناقشة سبل دعم العلاقات الثنائية في مجال التعاون العسكري وتطويرها خلال زيارات متبادلة بين وفدي البلدين في العديد من المجالات، وإحداث نقلة نوعية في العلاقات العسكرية بين مصر والإمارات.
وزادت المناورات والتدريبات المشتركة بين البلدين برًا وبحرًا وجوًا من قوة التعاون العسكري بينهما. ففي ظل الأزمات التي تشهدها المنطقة، شرعت الدولتان في إجراء شراكات متواصلة في مجال التعاون العسكري، بمشاركة الجيشين في عمليات تدريب عسكرية مشتركة، وتعزيز قدرات القوات المسلحة لمواجهة التحديات المختلفة. وعكست مشاركة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في افتتاح قاعدتي "محمد نجيب العسكرية" شمال مصر، في يوليو 2017، التي تُعد أكبر قاعدة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وقاعدة "برنيس" في يناير 2020، عمق علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وقوة العلاقات الدفاعية والعسكرية بينهما.
ولعل أهم مؤشرات التعاون العسكري بين الدولتين التدريبات المشتركة، وخاصة التدريبات البحرية في البحرين المتوسط والأحمر بهدف حماية المياه الإقليمية والمصالح الاقتصادية في ظل التوتر الذي يسيطر على المنطقة العربية وتهديدات أمن الملاحة واحتجاز السفن، والتدريبات الجوية والبرية للقوات الخاصة في البلدين، التي تأتي في إطار مكافحة الإرهاب الذي بات أشرس ما تواجهه الدول العربية، وعلى رأسها مصر.
شراكة اقتصادية
شهد التعاون الاقتصادي بين مصر والإمارات نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بالعلاقات الثنائية المتينة بين البلدين منذ عام 1971. وتعد الإمارات أكبر مستثمر عربي وأجنبي في مصر، فيما تتنوع الاستثمارات المتبادلة بين الجانبين لتشمل قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية والعقارات والصناعة.
استثمارات إماراتية
تعمل في السوق المصرية أكثر من 1300 شركة إماراتية تنشط في قطاعات التجارة والنقل والخدمات اللوجستية والتأمين والاتصالات والعقارات والسياحة والزراعة والأمن الغذائي، ما يعكس عمق الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
شكّل عام 2024 نقطة تحول في التعاون الاستثماري بين القاهرة وأبوظبي، بعد توقيع أكبر صفقة استثمار مباشر في تاريخ مصر لتطوير مدينة رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار، مع توقعات بجذب استثمارات إضافية تصل إلى 150 مليار دولار، واستقطاب نحو 8 ملايين سائح، فيما تحصل الدولة المصرية على 35% من أرباح المشروع.
ويقام المشروع على مساحة 170 مليون متر مربع، ويتضمن أحياءً سكنية متنوعة، وفنادق ومنتجعات عالمية، ومشروعات ترفيهية، ومناطق خدمية وتعليمية وصحية، إلى جانب منطقة حرة متخصصة في الصناعات التكنولوجية والخفيفة والخدمات اللوجستية، وحي مالي وأعمال يستهدف جذب الشركات العالمية.
ويشمل المشروع إنشاء مارينا دولية لليخوت والسفن السياحية، إضافة إلى مطار دولي جديد جنوب المدينة، يتم تطويره بالتعاون مع شركة أبوظبي التنموية القابضة، بما يعزز مكانة رأس الحكمة كمركز عالمي للسياحة والاستثمار.
تبادل تجاري
ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر والإمارات إلى 5.4 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2025، مقارنة بـ3.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2024، بنسبة نمو بلغت 71%.
وسجلت الصادرات المصرية إلى الإمارات 4.1 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، مدفوعة بارتفاع صادرات اللؤلؤ والأحجار الكريمة والحلي، إلى جانب الأجهزة الكهربائية والخضر والفاكهة والمحضرات الغذائية والسيارات.
وبلغت قيمة الواردات المصرية من الإمارات 1.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وشملت النحاس ومصنوعاته، والأحجار الكريمة والحلي، واللدائن، والوقود والزيوت المعدنية، ومنتجات الحديد والصلب.
تدفقات استثمارية
وصلت الاستثمارات الإماراتية في مصر إلى 2.2 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2024-2025، فيما بلغت الاستثمارات المصرية في الإمارات 750.1 مليون دولار، ما يعكس استمرار النمو في الاستثمارات المتبادلة بين البلدين.
كما بلغت تحويلات المصريين العاملين في الإمارات 1.8 مليار دولار خلال العام المالي 2023-2024، بينما سجلت تحويلات الإماراتيين العاملين في مصر 31.6 مليون دولار خلال الفترة ذاتها.
تعاون نفطي
شهد التعاون المصري الإماراتي في قطاع الطاقة والبترول زخمًا متزايدًا خلال عام 2026، مع التركيز على تعزيز الاستثمارات وتوسيع أنشطة البحث والاستكشاف.
ففي مارس 2026، أعلنت شركة أركيوس إنرجي، المملوكة لـ"أدنوك" الإماراتية و"بي بي" البريطانية، اعتزامها حفر بئرين جديدتين للغاز في البحر المتوسط، هما "أتول غرب" و"نوفريت"، ضمن خطة تستهدف دعم إنتاج الغاز في مصر، مع تأكيد التزامها بتوسيع استثماراتها وجعل مصر مركزًا رئيسيًا لأنشطتها في شرق المتوسط.
وفي يناير 2026، أكد وزير البترول والثروة المعدنية المهندس كريم بدوي، خلال مشاركته في فعاليات دولية للطاقة، أن مصر تواصل تعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة، مستندة إلى تطوير البنية التحتية وزيادة أنشطة البحث والإنتاج، مشيرًا إلى خطة استثمارية بقيمة 5.7 مليار دولار لحفر 480 بئرًا جديدة حتى عام 2030.
كما بحث الوزير مع وكيل وزارة الطاقة الإماراتية المهندس شريف العلماء سبل توسيع التعاون في مجالات البترول والغاز والتعدين، وتشجيع الاستثمارات الإماراتية، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في أنشطة الاستكشاف والإنتاج.