تشكل العلاقات المصرية الإماراتية واحدة من أبرز نماذج التعاون العربي خلال السنوات الأخيرة، إذ امتدت من الشراكات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى إلى التنسيق السياسي بشأن ملفات المنطقة، مع تأكيد متواصل من قيادتي البلدين على دعم الاستقرار والتنمية وتعزيز العمل العربي المشترك.
تنسيق سياسي
ومثّل التعاون المصري الإماراتي نموذجًا كأحد العناصر الرئيسية في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية التي تشهدها المنطقة، وهو ما يبرز في طبيعة العلاقات المتنامية بين القاهرة وأبوظبي.
وقال السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، في تصريحات لموقع قناة القاهرة الإخبارية، إن التعاون الثنائي بين مصر والإمارات يهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والبحر الأحمر ومنطقة الخليج، وإرساء دعائم التعاون العربي العربي؛ وذلك من أجل تحقيق الأهداف التنموية لصالح الشعوب العربية.
ويؤكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بصورة متكررة، أهمية مواصلة التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية، مع التركيز على دعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وتعزيز التعاون بين البلدين.
شراكة اقتصادية
وتحتل دولة الإمارات المرتبة الأولى بين الدول العربية والأجنبية المستثمرة في مصر، إذ يبرز مشروع رأس الحكمة باعتباره أحد أكبر نماذج التعاون الاقتصادي بين البلدين، إذ تم توقيع اتفاق استثماري ضخم لتطوير المنطقة وتحويلها إلى مدينة متكاملة، تضم مشروعات سياحية وتجارية ولوجستية وبنية تحتية متقدمة.
وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن المشروع يعكس قوة العلاقات المصرية الإماراتية، مشيرًا إلى التزام البلدين بتوسيع التعاون في مختلف القطاعات، وتسريع تنفيذ المشروعات المشتركة.
كما شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال لقاء مع وزير الاستثمار الإماراتي محمد حسن السويدي، على أهمية توسيع الاستثمارات الإماراتية في مجالات الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والتنمية العمرانية، مع دعم مبادرات التكامل الاقتصادي الإقليمي.
أرقام التحالف الاقتصادي
ووفقًا لآخر بيانات أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، فقد سجل حجم التبادل التجاري بين مصر والإمارات خلال 2025، نموًا بنسبة 61.7%؛ ليصل 9.7 مليار دولار، مقابل 6 مليارات دولار خلال عام 2024.
ومال الميزان التجاري لصالح مصر، إذ سجلت الصادرات المصرية إلى الإمارات نحو 7 مليارات دولار خلال عام 2025، مقابل 3.3 مليار دولار خلال عام 2024، بنسبة ارتفاع قدرها 112.1%.
ويبلغ حجم الواردات المصرية من الإمارات 2.7 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 2.7 مليار دولار خلال عام 2024 دون أي تغيير.
كما توجد جالية مصرية كبيرة في الإمارات، إذ يبلغ عـدد المصريين هناك 1.3 مليون مصري حتى نهاية عام 2024.
وزادت قيمة تحويلات المصريين العاملين بالإمارات لنحو 3.6 مليار دولار خلال العام المالي 2024-2025، مقابل 1.8 مليار دولار خلال العام المالي 2023-2024.
مجالات جديدة
لا يقتصر التعاون بين القاهرة وأبوظبي على الاقتصاد التقليدي، بل يمتد إلى قطاعات التكنولوجيا والفضاء والابتكار؛ إذ وقعت وكالة الفضاء الإماراتية ووكالة الفضاء المصرية مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في الاستخدامات السلمية للفضاء وتطوير مشروعات مشتركة.
وتؤكد هذه الاتفاقات توجه البلدين نحو بناء شراكات في القطاعات المستقبلية، التي تدعم التنمية المستدامة وتطوير القدرات العلمية والتكنولوجية العربية.
كما تشمل مجالات التعاون ملفات التجارة والاستثمار والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب العمل على تعزيز التكامل الصناعي والاقتصادي، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.
خدمة المنطقة
ورأى أشرف أبو النصر، مساعد رئيس حزب حماة الوطن المصري، في بيان له، أن "العلاقات المصرية الإماراتية نموذج فريد للشراكة العربية الإستراتيجية القائمة على الثقة المتبادلة ووحدة الرؤى تجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية".
وأضاف أن مصر والإمارات نجحتا خلال السنوات الماضية في بناء شراكة قوية أسهمت في دعم جهود التنمية والاستقرار بالمنطقة، كما عززت التعاون الاقتصادي والاستثماري بما يحقق المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين، ويعكس حجم الثقة المتبادلة بين البلدين.
وأشار إلى أن التنسيق المصري الإماراتي ركيزة أساسية لدعم الأمن القومي العربي، خاصة في ظل التحديات والمتغيرات الإقليمية المتسارعة، مؤكدًا أن مواقف البلدين تتسم بالحكمة والمسؤولية في التعامل مع الأزمات، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار والحفاظ على مقدرات الشعوب العربية.
دعم التنمية والاستقرار الإقليمي
ويقول السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، إن تنسيق المواقف بين البلدين بالنسبة للقضية الفلسطينية، وتحديدًا العمل مع الشركاء العرب والدوليين يتم من أجل تنفيذ وثيقة شرم الشيخ الخاصة بقطاع غزة، مشيرًا إلى أن التعاون بين البلدين، كما يمتد إلى ملف مكافحة التطرف، ومكافحة الإرهاب.
كما تؤكد التصريحات الرسمية الصادرة عن البلدين أن التعاون الثنائي لا يقتصر على المصالح المباشرة، بل يستهدف كذلك دعم التنمية والاستقرار الإقليمي وتعزيز فرص الازدهار الاقتصادي في المنطقة.
وفي ظل استمرار المشروعات الاستثمارية الكبرى وتوسع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والتقني، تواصل القاهرة وأبوظبي تقديم نموذج لشراكة عربية تقوم على التنسيق المستمر والمصالح المشتركة ودعم الاستقرار الإقليمي.
تقارب الرؤى
ووقعت مصر ودولة الإمارات على مذكرتي تفاهم بشأن المشاورات السياسية بين وزارتي خارجية البلدين، إذ تنص مذكرة التفاهم الخاصة بالمشاورات السياسية على إجراء محادثات ثنائية منتظمة لمناقشة العلاقات وتبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وتتضمن مذكرة التفاهم الإعفاء المتبادل عن شرط التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية، من الدخول والعبور والخروج من أراضي الدولتين بعضهم البعض، كما تسمح لهم بالبقاء في أراضي بعضهم البعض لمدة أقصاها 90 يومًا دون تأشيرة.
ووصلت خصوصية العلاقات بين القاهرة وأبو ظبي ذروتها خلال الفترة الحالية، فقد شهدت تطورًا كبيرًا ونوعيًا في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية وغيرها، ونموًا ملحوظًا في معدل التبادل التجاري، وزيادة كبيرة في حجم الاستثمارات الإماراتية في القطاعات الاقتصادية المصرية المختلفة.
شهدت السنوات الأخيرة تنسيقًا وثيقًا حيال القضايا الرئيسية، مثل القضية الفلسطينية والعراقية واللبنانية والليبية واليمنية والسورية، فهناك تقارب كبير في الرؤى والمواقف السياسية تجاه القضايا الإقليمية.