بعد أشهر من التصريحات المتضاربة والمفاوضات المتعثرة، أعلنت الولايات المتحدة وإيران اقترابهما من توقيع مذكرة تفاهم تمهد لمرحلة جديدة من التهدئة، وذلك بعد شهور من الحرب والتوترات الاقتصادية والتجاذبات السياسية التي أثرت على الطرفين وعلى أسواق الطاقة العالمية.
إعلان الاتفاق
وذكرت صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع إيران جاء عبر منصة "تروث سوشيال"، بعد أشهر من الشكوك التي أحاطت بالمفاوضات، إذ جاء الاتفاق المرتقب بعد مسار طويل من الضغوط الاقتصادية التي دفعت الجانبين نحو تسوية لا تزال محدودة النطاق.
أعلن ترامب عبر منصته التوصل إلى اتفاق مع إيران، قائلًا إنه يقر فتح مضيق هرمز دون رسوم مرور، مع الرفع الفوري للحصار البحري الأمريكي، وأضاف أن الوقت قد حان لتدفق النفط مجددًا عبر الممرات البحرية.
وكان ترامب قد أكد ما لا يقل عن 39 مرة أن الطرفين يقتربان من التوصل إلى اتفاق، الأمر الذي دفع مسؤولين وخبراء إلى التعامل بحذر مع منشوراته، ومع ذلك، تحدث مسؤولون إيرانيون لاحقًا بنبرة أكثر هدوءًا وأكدوا أن توقيع مذكرة التفاهم بات وشيكًا.
ضغوط متبادلة
قال مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية إن البيت الأبيض شعر هذه المرة بأنه يمتلك موقعًا تفاوضيًا أقوى، مع تراجع قدرة إيران على التحكم الكامل بحركة النفط عبر مضيق هرمز خلال الأسابيع الأخيرة.
ومنذ اندلاع الحرب، أصبحت حركة الملاحة في المضيق خاضعة لسيطرة إيران، التي فرضت على السفن الحصول على إذن من قواتها المسلحة قبل العبور، وأدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار عالميًا، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة.
وأفادت مصادر مطلعة على المفاوضات بأن الضغوط الاقتصادية دفعت الطرفين إلى طاولة التفاوض، فقد واجهت الولايات المتحدة ارتفاعًا في التضخم إلى أعلى مستوياته خلال ثلاث سنوات، بينما عانت إيران من آثار الحصار البحري الأمريكي.
وأضافت المصادر أن الحصار البحري حقق نتائج أكثر فاعلية بالنسبة للولايات المتحدة من الضربات الجوية، وفي المقابل، شكل ارتفاع الأسعار عبئًا سياسيًا على ترامب في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي وسعيه للوفاء بتعهداته المتعلقة بخفض الأسعار.
انتعاش الأسواق
أدى إعلان ترامب المفاجئ التوصل إلى اتفاق وموافقة القيادة الإيرانية العليا عليه إلى انتعاش الأسواق، وجاء ذلك بعد ساعات فقط من تهديده بشن هجمات جديدة على إيران والتلميح إلى استهداف جزيرة خارك النفطية.
ودفع الخوف من التصعيد قادة إقليميين إلى التواصل مع الرئيس الأمريكي والضغط عليه لوقف أي هجمات جديدة، مؤكدين أن الاتفاق بات قريبًا ما دام التصعيد العسكري لا يعرقل جهود التهدئة.
وفي اليوم التالي أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي وصف بأنه المفاوض الرئيسي، التوصل إلى "نص نهائي متفق عليه" لإطار السلام، مؤكدًا أن السلام أصبح أقرب من أي وقت مضى.
ملفات مؤجلة
كان البيت الأبيض يسعى في البداية إلى اتفاق ينهي بصورة دائمة الأنشطة النووية الإيرانية، ويقيد برنامج الصواريخ الباليستية، ويوقف دعم طهران لوكلائها في المنطقة.
إلا أن مذكرة التفاهم، لا تتناول برنامج الصواريخ الإيراني، تمامًا كما لم تتناول خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 جميع تلك الملفات بالشكل الذي كان يريده ترامب.
وأثار هذا الأمر قلق مسؤولين بعد إطلاق إيران صاروخين باليستيين متوسطي المدى باتجاه قاعدة دييغو غارسيا البريطانية الأمريكية في جزر تشاجوس، حيث قطعت المقذوفات نحو 2500 ميل، متجاوزة التقديرات السابقة لمدى الصواريخ الإيرانية.
كما سعت الفصائل المتشددة داخل إيران إلى عرقلة مسار التفاوض، بينما بقيت مسودة الاتفاق قيد المراجعة حتى يوم الجمعة، وسط انعدام الثقة بين واشنطن وطهران وغياب العلاقات الدبلوماسية المباشرة بينهما منذ الثورة الإيرانية.
انقسام إيراني
هيمنت أخبار الاتفاق على الصفحات الأولى للصحف الإيرانية، كاشفة عن انقسام واضح بين من اعتبره إنجازًا ومن رآه تنازلًا غير مقبول، وحذرت صحيفة "كيهان" من تحويل ما وصفته بالنصر في الحرب إلى هزيمة عبر اتفاق سيئ، مطالبة بإجابات تتعلق بمضيق هرمز والتعويضات وضمانات التنفيذ وانسحاب القوات الأمريكية ووقف القتال على جميع الجبهات.
في المقابل، دعت صحيفة الحكومة الإيرانية إلى دعم القرارات الوطنية، بينما وصفت صحيفة "اعتماد" الإصلاحية التطورات بأنها "المنعطف الأخير للدبلوماسية".
وامتد الخلاف إلى شخصيات سياسية ودينية بارزة، إذ انتقد محمود نبويان مسودة الاتفاق واعتبرها متعارضة مع المصالح الوطنية، فيما دافع فريق التفاوض عنها. كما أثار إمام جمعة مشهد أحمد علم الهدى جدلًا بإشارته إلى ضرورة موافقة مجتبى خامنئي على أي اتفاق.