تتجه الأنظار إلى الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران، والذي من المقرر أن يوقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد أكثر من شهرين من المفاوضات المتوترة بتبادل إطلاق نار متقطع، وذلك وسط مخاوف إسرائيلية من تداعيات الاتفاق على أمنها ومصالحها؛ بسبب الغموض حول تفاصيل رئيسية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والوضع في لبنان.
قلق كبير في إسرائيل
وتوقعت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، أن هذا الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران المقرر أن يوقع عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأحد، لا ينهي الحرب بصورة كاملة، لكنه يؤسس لفترة وقف إطلاق نار جديدة مدتها 60 يومًا.
وأشارت الصحيفة الإسرائيلية إلى أن الاتفاق يثير قلقًا كبيرًا في إسرائيل؛ خشية ألّا يسهم في معالجة التهديدات النووية والصاروخية الإيرانية، وأن يؤدي أيضًا إلى تقييد قدرة إسرائيل على مواجهة حزب الله في لبنان.
وأوضح موقع "واي نت" الإسرائيلي أن هناك تباينًا بين روايات الأطراف بشأن ما هو معروف وما يزال غامضًا في الاتفاق.
اتفاق سريع
سيكون الاتفاق المرتقب عبارة عن مذكرة تفاهم قصيرة، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إنها لن تتجاوز صفحتين، وتهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، فيما يبقى مصير المفاوضات غير واضح إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي خلال هذه الفترة.
وحسب "يديعوت أحرونوت"، فإن ترامب بدا خلال الساعات الماضية داعمًا للتوصل إلى اتفاق نهائي سريع، وكتب عبر شبكة "تروث سوشيال" أنه يتطلع إلى العمل مع إيران ومع الشرق الأوسط بأسره في المستقبل، معربًا عن أمله في أن تسير العملية بسرعة وسهولة وسلاسة.
وأفادت وسائل إعلام أمريكية بأن مذكرة التفاهم لا تنهي الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، وإنما تؤجل حسمه إلى المرحلة التالية من المفاوضات، كما لا توجد تقارير تفيد بأن الاتفاق الإطاري يتضمن أي قيود على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه القضية ستطرح ضمن المفاوضات المقبلة بين الطرفين.
وزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ترامب ملتزم بأن يتضمن الاتفاق النهائي قيودًا على إنتاج الصواريخ، في حين أفادت تقارير إيرانية بأن هذا الملف أزيل من المحادثات المستقبلية.
الوضع اللبناني
ولا تزال تفاصيل ما سيحدث في لبنان غير واضحة، إذ تصر إيران على أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان أيضًا، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن نهاية الحرب في لبنان تعني انسحابًا إسرائيليًا من الأراضي التي احتلتها.
وفي المقابل، تشير تقارير عبرية إلى أن مذكرة التفاهم الحالية لا تتضمن إنهاء الحرب بصورة شاملة في لبنان، وإنما تقتصر على تمديد وقف إطلاق النار، في المقابل أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان.
وقال مسؤول أمريكي، وفق "سي إن إن"، إن الاتفاق يتحدث عن سلام إقليمي واسع يشمل لبنان أيضًا، لكنه أكد أن إسرائيل غير ملزمة بموجبه بالتخلي عما وصفه بـ"حقها في الدفاع عن النفس"، مضيفًا أنه إذا لم يلتزم الإيرانيون بتعهداتهم فلا يتوقع من الإسرائيليين الامتناع عن الرد.
قلق إسرائيلي
ذكرت قناة "N12" الإسرائيلية أن إسرائيل تبدي قلقًا كبيرًا إزاء الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه، ونقلت عن مسؤول إسرائيلي رفيع إن أكثر ما يثير القلق هو عجز إسرائيل عن التأثير فيه، معتبرًا أن الاتفاق لا يخدم المصالح الإسرائيلية.
ونقل موقع "واي نت" الإسرائيلي عن مسؤول إسرائيلي آخر، قوله إن "ترامب خدع إسرائيل"، بينما رأى مسؤول ثالث أن الاتفاق جرى التوصل إليه تحت ضغط إيراني وخضوع أمريكي، مشككًا في إمكانية توقيعه واستمراره على المدى الطويل.
وأضاف المصدر أن إيران قد تستنتج من الاتفاق قدرتها على تحقيق أهدافها بالقوة، محذرًا من أن الاختبار الحقيقي سيكون في مسألة استخراج اليورانيوم وتدميره. كما اعتبر أن الغموض المحيط بالاتفاق يسمح لكل طرف بتقديمه داخليًا؛ باعتباره نجاحًا سياسيًا وفق روايته الخاصة.
سياسة الدفع بالتقسيط
ونقلت قناة "N12" الإسرائيلية عن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، لديهم خبرة طويلة في الملف الإيراني، تحذيرهم من أن الاتفاق الجاري بين الولايات المتحدة وإيران يهدد المصالح الأمنية الجوهرية لإسرائيل.
وأوضح المسؤولون أن الجانب الأمريكي وافق على الشروط الرئيسية التي طرحتها إيران، معتبرين أن الاتفاق سيؤدي إلى فتح مضيق هرمز وإنعاش النظام الإيراني بصورة فورية، بينما سيؤجل البحث في القدرات النووية الإيرانية إلى مرحلة لاحقة ضِمن ما وصفوه بسياسة الدفع بالتقسيط.
وقارن المسؤولون الاتفاق الحالي بالاتفاق الذي أنهى الحرب في غزة، متسائلين عن مصير الالتزام بنزع سلاح حماس، كما تساءلوا عن ورقة الضغط الأساسية التي ستملكها الولايات المتحدة إذا لم تبدأ إيران بتنفيذ الخطوات المطلوبة منها بعد انتهاء فترة الستين يومًا.
تحذيرات إسرائيلية
واصل المسؤولون الإسرائيليون تحذيراتهم، قائلين إن مطلب إخراج اليورانيوم من إيران استُبْدِل بشعار عام يتعلق بتخفيف التوتر، كما أكدوا أن منظومة الصواريخ الإيرانية ليست مشمولة في الاتفاق بشكل كامل.
وأضافوا أن جميع الأهداف التي حددتها إسرائيل لم تُعالَج بصورة مباشرة ضِمن التفاهم الجاري، كما حذروا من أن الاتفاق لا يلزم إيران بالتوقف عن دعم حلفائها ووكلائها في المنطقة، بل قد يسمح لها بإعادة التواصل مع حزب الله.
وأشارت القناة الإسرائيلية إلى أن مخاوف سابقة كانت قد أثيرت في إسرائيل بشأن احتمال تخلي ترامب عن مطلب تخفيف تركيز اليورانيوم المخصب داخل إيران أو الامتناع عن سحب اليورانيوم من البلاد، فيما قال مقربون من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن أكبر المخاوف تتمثل في أن يفعل ترامب بإسرائيل ما فعله أوباما سابقًا.
إحباط إسرائيلي
واعتبرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية الاتفاق أنه أمر محبط من وجهة نظر إسرائيل، بل وخطير في بعض الأحيان، مشيرة إلى أنه لن يختفي حزب الله لمجرد أن ترامب يُريد الصمت، ولكن بمجرد أن تُحاول واشنطن التوصل إلى اتفاق مع إيران، سيُصبح لبنان ساحةً تُجبر فيها إسرائيل على قبول أكثر مما ترغب.
كما وصفت الصحيفة العبرية الاتفاق بأنه "مأزق إسرائيلي"، مشيرة إلى أنه قد يكون اتفاقًا صغيرًا مفيدًا لأمريكا، وللأسواق، وللخليج، ولترامب، لكنه قد يكون سيئًا لإسرائيل إذا تركت إيران مُنهكة وليس ضعيفة، وأنه مع وجود يورانيوم لم يُكتشف بالكامل يصبح أكثر حذرًا وأن إسرائيل تُدرك هذا الخطر جيدًا.