في وقت يشهد فيه العالم حروبًا مفتوحة وأزمات إنسانية غير مسبوقة، بدأت المعركة الهادئة على أحد أكثر المناصب نفوذًا في النظام الدولي.. منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
فمع اقتراب نهاية ولاية البرتغالي أنطونيو جوتيريش في ديسمبر 2026، تتجه الأنظار إلى "المبنى الزجاجي" في نيويورك، حيث تتقاطع طموحات المرشحين مع حسابات القوى الكبرى وحق النقض الذي يملكه الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن. وبين دعوات الإصلاح، وتصاعد المطالب باختيار أول امرأة في تاريخ المنظمة، يبرز السؤال الأهم: مَن سيكون الأمين العام العاشر للأمم المتحدة؟
نظريًا.. يمكن للأمين العام للأمم المتحدة، أن يشغل المنصب لعدد غير محدود من الولايات، إذ لا يوجد نص يفرض حدًا أقصى لعدد الفترات، وعمليًا.. هناك تقليد راسخ يحظى باحترام واسع يقضي بأن يقتصر المنصب على ولايتين مدة كل منهما خمس سنوات. ولم يسبق لأي أمين عام للأمم المتحدة أن شغل المنصب لأكثر من ولايتين.
حتى الآن، أعلن خمسة مرشحون من حول العالم خوضهم السباق الانتخابي من أجل مقعد الأمين العام للأمم المتحدة خلفًا لجوتيريش.
مرشح الوكالة الدولية للطاقة الذرية
وفقًا لتقارير دولية، يعتبر رافائيل جروسي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أحد أقرب المرشحين للمنصب.
رافائيل جروسي.. دبلوماسي أرجنتيني مُخضرم يشغل منصب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ 2019، اشتهر اسمه خلال المفاوضات في البرنامج النووي الإيراني في 2019 حول التفتيش على برنامجها النووي ومنشآتها، ولكن برز اسمه خلال الأشهر الأخيرة في المفاوضات بين واشنطن وطهران في الملف النووي في خضم التصعيدات العسكرية الأخيرة.
كما برز اسمه أيضًا خلال مفاوضات لإرسال بعثة دولية لمحطة زابوروجيا النووية في أوكرانيا في ظل الحرب الروسية أوكرانية، ومفاوضات وجود إجراءات أمنية لحفظ المحطة وتأمينها.
وعن آراء "جروسي" حول.. كيف يجب أن يكون الأمين العام للأمم المتحدة خلال الوقت الراهن؟ قال:"أنا أؤمن بأمين عام عملي أكثر من أمين عام يوجه الاتهامات للآخرين".
وأكد في تصريحات أخرى :"الأمم المتحدة لا تزال ذات أهمية، لكنها تحتاج إلى تجديد هادف قائم على الأداء"، وفقًا لما نقلته شبكة رويترز.
مرشح إفريقي
ماكي سال.. الرئيس السابق للسنغال منذ 2012 حتى 2024، نجح في تحقيق إنجاز يصفه المحللون بالتاريخي، كونه اقترح تعديلًا للدستور لخفض عدد سنوات حكم أي رئيس من 7 إلى 5 سنوات، وخفض عدد الولايات التي يمكن أن يحظى بها رئيس إلى ولايتين فقط، وهو إنجاز ديمقراطي للسنغال، حتى إنه حاول تطبيق أحد القرارين على نفسه أي خفض عدد سنوات الولاية من 7 إلى 5 ولكن المجلس الدستوري رفض.
أما عن آراء "سال" حول الطبيعة التي يجب أن يكون عليها الأمين العام للأمم المتحدة، فقال إن العالم يمرّ بأزمة عميقة تواجه فيها الأمم المتحدة تزايدًا في انعدام الثقة ومخاطر غير مسبوقة تهدد بإضعافها. وعليه فإن المنظمة بحاجة إلى الإصلاح، وترشيد هياكلها وإجراءاتها، وتحديثها بما يمكّنها من مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
وقال في تصريحات نقلتها رويترز: "يجب أن نكسب معركة التنمية من خلال تعزيز فرص العمل للشباب والنساء، وتشجيع الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتحقيق العدالة المناخية، وضمان الوصول العادل إلى التمويل".
ابنة السلام
ريبيكا جرينسبان.. نائبة سابقة لرئيس كوستاريكا، تطلق على نفسها لقب "ابنة السلام" كون والديها فرّوا من أوروبا كلاجئين خلال الحرب العالمية الثانية.
وشغلت منصب أمينةً عامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، لتصبح أول امرأة تقود هذه المنظمة في تاريخها الممتد لـ60 عامًا.
وهي في الأساس اقتصادية ونائبة سابقة لرئيس كوستاريكا، وتراها منظمة الأمم المتحدة كقائدة ذات خبرة في المؤسسات الدولية، ولديها سجل حافل في العمل الحكومي، والدبلوماسية داخل الأمم المتحدة، والسياسات الاقتصادية، والتعاون متعدد الأطراف على المستوى العالمي.
وقالت في تصريحات نقلتها رويترز:" أترشح لأن السلام بات في خطر، ولأن الثقة في الأمم المتحدة وفي المنظمات الدولية آخذة في التآكل".
لأمريكا الجنوبية حظوظ
ميشيل باشيليت.. رئيسة تشيلي السابقة، شغلت المنصب خلال ولايتين الأولى 2006 إلى 2010 والثانية من 2014 إلى 2018.
واجهت خلال أول فترة في حكمها أزمة كبرى من خلال اندلاع مظاهرات عصفت بالبلاد بسبب غضب الطلاب من النظام التعليمي في البلاد، ثم إضراب عام لعمال المناجم، وهو ما أدى لانخفاض شعبيتها بسبب هذه الأزمات، وذلك قبل أن ترتفع مرة أخرى بفضل سياساتها الاقتصادية، فعندما بلغ سعر النحاس، وهو أحد أهم صادرات تشيلي، ذروته، وجّهت الحكومة إلى ادخار الأرباح وتخصيصها جانبًا.
أما عن رغبتها في تولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة، فهي تتخذ من حقوق الإنسان والترويج لحقوق الإنجاب وحقوق النساء حول العالم، منهجًا لها، وقالت في إحدى تصريحاتها الصحفية إنه من الجدير النضال من أجل أن تقود امرأة الأمم المتحدة.
ومن أبرز تصريحاتها الصحفية التي نقلتها رويترز :"حقوق الإنسان أساسية، بما في ذلك الحقوق الجنسية والإنجابية، وعلى الأمين العام أن يواصل الالتزام بالاتفاقيات التي أبرمتها الأمم المتحدة".
السلطة الأخلاقية
ماريا جارسيس.. وزيرة دفاع وخارجية الإكوادور سابقًا، كما شغلت منصب رئيسة الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتمتلك أكثر من 20 عامًا من الخبرة متعددة الأطراف في المفاوضات الدولية، والسلام، والأمن، والدفاع، ونزع السلاح، وحقوق الإنسان، وقضايا الشعوب الأصلية، والمساواة بين الجنسين، والتنمية المستدامة، والبيئة، والتنوع البيولوجي، وتغير المناخ، والتعاون متعدد الأطراف، كما يصفها الموقع الرسمي للأمم المتحدة.
أما عن اتجاهاتها فيما يخص منصب الأمين العام للأمم المتحدة، فهي ترغب في إعادة السلطة الأخلاقية للأمم المتحدة كونه الهيئة التي تحفظ السلام والحقوق في العالم.
وقالت "جارسيس" وفقًا لرويترز: "الأزمة الحالية تتطلب قائدًا يتمتع بالحيوية والقدرة على المبادرة، هذه اللحظة تستدعي أمينًا عامًا للأمم المتحدة ذا أفكارًا نهضوية قادرًا على استعادة السلطة الأخلاقية للأمم المتحدة".
مرأة للمرة الأولى
وفقًا للقوانين، يمكن أن تتولى امرأة هذا المنصب، ولكن عمليًا لم تتولاه أي سيدة من قبل، ووفقًا لرويترز، فهناك تزايد في الدعوات داخل الأمم المتحدة لاختيار أول امرأة لتولي منصب الأمين العام في تاريخ المنظمة الممتد لـ80 عامًا.
كانت الجمعية العامة أشارت إلى "أسفها لعدم تولي أي امرأة منصب الأمين العام من قبل"، وشجعت الدول على "النظر بجدية في ترشيح النساء لهذا المنصب".
كيف يتم اختيار الأمين العام للأمم المتحدة؟
تختار الدول الأعضاء بالأمم المتحدة مرشحيها لشغل المنصب، ثم تذهب الأسماء لمجلس الأمن الذي يجري اقتراعات سرية تُعرف باسم "الاقتراعات الاستطلاعية" (Straw Polls) حتى يتم التوصل إلى توافق. وتكون الخيارات المتاحة أمام أعضاء المجلس لكل مرشح في هذا التصويت هي: مؤيد، أو غير مؤيد أو لا رأي.
وفي النهاية، يجب أن يتفق الأعضاء الخمسة الدائمون الذين يملكون حق النقض (الفيتو)، وهم الولايات المتحدة وروسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا، على مرشح واحد. وغالبًا ما تكون أوراق التصويت الخاصة بدول الفيتو ذات لون مختلف عن تلك الخاصة بالأعضاء العشرة المنتخبين في المجلس.