مرت مئة يوم على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما افتُتح بعرض مدوٍّ للتفوق العسكري الغربي، آلَ إلى مواجهة استنزاف مفتوحة تكشف يومًا بعد يوم عن حدود القوة الأمريكية، هذا ما رصدته مجلة نيوزويك الأمريكية في تقرير تحليلي استند إلى آراء دبلوماسيين ومحللين أمنيين، خلصوا إلى أن الدروس المستخلصة من هذا الصراع باتت تُدرَس بعناية في عواصم المنافسين قبل الحلفاء.
بداية مبهرة ونتائج مخيبة
رصدت نيوزويك كيف تحول الزخم العسكري الأولي الساحق إلى شيء أقرب إلى سباق احتمال، في ظل غياب نتائج حاسمة رغم ضخامة الثمن المدفوع. فعلى الرغم من اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من كبار القادة، وتدمير جزء كبير من منظومة التسليح الإيرانية، وفرض حصار تجاري خانق، فإن طهران لم تنهار كما توقع المخططون، بل ذهب أبعد من ذلك السفير الأمريكي السابق ريان كروكر، حين أكد لنيوزويك أن جوهر المشكلة ليس في الآلة العسكرية بحد ذاتها، بل في القرارات السياسية التي وجهتها.
سلاح أرعب واشنطن وأغرى بكين
تشير نيوزويك إلى أن أبلغ أسلحة طهران لم يكن صاروخًا ولا مسيّرة، بل كان مضيق هرمز، ذلك الممر الذي حولته إيران إلى خنجر في خاصرة الاقتصاد العالمي، مُقيِّدةً تدفق النفط والغاز ومُذكيةً موجةً من الإرهاق الشعبي الأمريكي جراء ارتفاع أسعار الطاقة. غير أن أخطر التداعيات، وفق كروكر، هو الدرس الذي قد تستخلصه الصين من هذه التجربة، إذ حذر في تصريحاته لنيوزويك قائلًا: "ما يقلقني أن الصينيين قد يستلهمون من السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز نموذجًا قابلًا للتطبيق، فثمة مضائق أخرى في العالم، أبرزها مضيق ملقا، والأهم مضيق تايوان".
وأضاف أن ما جرى قد يُثبت لبكين أنها لا تحتاج إلى حرب شاملة لبلوغ أهدافها الإستراتيجية، بل يكفيها إحكام القبضة على ممرات مائية حيوية.
النووي لم يُشَل والصواريخ تعود
وتُشير الصحيفة إلى أنه على صعيد الأهداف المُعلنة، تتضح صورة أبعد ما تكون عن النصر المُزعوم، إذ أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أول تقاريرها الميدانية في زمن الحرب، مؤكدةً أن المنشآت النووية الإيرانية، وإن كانت قد تعرضت لضربات موجعة في حرب الاثني عشر يومًا في يونيو الماضي، إلا أنها لم تشهد تراجعًا ملموسًا منذ اندلاع الصراع الحالي.
وفي السياق ذاته، نقلت وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية عن مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية شواهدَ على إعادة بناء القدرات الصاروخية الإيرانية.
ويُضاف إلى ذلك أن اليورانيوم المخصب لا يزال مدفونًا في أعماق الأرض ويمكن استرداده نظريًا، وهو ما دفع ستيفن سايمون، المدير الأول السابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي والباحث في معهد كوينسي، إلى القول لنيوزويك إن الحرب لم تكن ضرورية أصلًا لتحقيق هدف ترامب النووي "في المدى القريب والمتوسط".
نظام أشد وقيادة أكثر تشددًا
يشير تحليل نيوزويك إلى أنه بدلًا من أن يتصدع الحرس الثوري الإيراني أو يتفكك النظام، التفت المؤسسة العسكرية الإيرانية حول المرشد الجديد مجتبى خامنئي نجل المرشد المُغتال، في مشهد وصفه كروكر لنيوزويك بأنه يكشف عن قيادة "أشد وأقسى من سابقتها"، مؤكدًا أن أبرز الوجوه الصاعدة هم جنرالات الحرس الثوري ومحاربو حرب الثماني سنوات مع العراق الذين فقدوا نصف مليون قتيل ولم يرفعوا الراية البيضاء.
ولفت إلى أن محسن رضائي، القائد التاريخي للحرس الثوري وعضو مجلس تشخيص مصلحة النظام منذ نحو ثلاثة عقود، كان قد نصح الإمام الخميني بعدم قبول وقف إطلاق النار عام 1988.
وأدلى رضائي بدلوه في مقابلة مع شبكة CNN، محذرًا من أي فكرة للغزو البري، ومُلمِّحًا إلى قدرات برية إيرانية تفوق ما يُظهره الصاروخ وحده. في المقابل، حاول ترامب تحسين لهجته تجاه المرشد الجديد، واصفًا إياه بأنه "محترف" ذو "سمعة جيدة في بعض الأوساط"، بعد أن كان قد انتقد بشدة تعيينه.
أهداف قصوى.. وحصاد متواضع
كشفت نيوزويك استنادًا إلى تقرير نيويورك تايمز أن تغيير النظام كان هدفًا محوريًا دفع إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقائه بترامب، مُقنعًا إياه بأن الحكومة الإيرانية قابلة للانهيار تحت الضغط العسكري المتواصل.
وأوضح سايمون لنيوزويك أن رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة صاغ الأهداف بوصفها "القضاء على قدرة إيران على تحدي الولايات المتحدة عسكريًا إلى الأبد"، معلقًا بأن هذه "أهداف قصوى لم تتحقق، ولن تتحقق ما لم تغزُ الولايات المتحدة إيران أو تلجأ إلى الأسلحة النووية، وكلاهما سيناريو مستبعد".
وشدد على مفارقة جوهرية، وهي أن ترامب نفسه جعل الهدف النووي ركيزته الأولى، غير أن إيران لم تكن تصنع قنبلة أصلًا وفق تقديرات الاستخبارات الأمريكية.