أدى فشل ألمانيا غير المسبوق في الفوز بأحد المقاعد الدورية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدةن إلى جولة مكثفة من "مراجعة الذات" في برلين، وأثار تساؤلات حول مزاعمها بالقيادة الدولية في عهد المستشار فريدريش ميرز.
وفي منافسة محرجة بين شركاء الاتحاد الأوروبي، حصلت البرتغال على 134 صوتًا والنمسا على 131 صوتًا، بينما حصلت ألمانيا على 104 أصوات فقط، وهو أقل بكثير من العدد المطلوب البالغ 127 صوتًا، على الرغم من ثقة برلين المعلنة قبل ساعات فقط.
وتشير صحيفة "ذا جارديان" البريطانية إلى أن تصويت المجلس الذي انتخب النمسا والبرتغال لفترة ولاية مدتها سنتان إلى جانب ترينيداد وتوباجو وزيمبابوي، الأربعاء الماضي، "كان بمثابة ضربة لحكومة ميرز المتعثرة، التي سعت إلى وضع نفسها كصوت أوروبي رائد على الساحة العالمية".
وكان يُنظر إلى كلا الفائزين على أنهما يمثلان مصالح الدول الصغيرة، حيث يمكن للنمسا أن تستفيد من حيادها المتصور كدولة غير عضو في حلف الناتو، بينما روجت البرتغال لعلاقاتها القوية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وكانت ألمانيا شغلت عضوية المجلس ست مرات، وكان آخرها في الفترة 2019-2020.
تبرير الهزيمة
عقب الهزيمة، هنأ ميرز، الذي تراجعت شعبيته في عامه الأول في السلطة، الفائزين في الاقتراع السري لخمسة مقاعد في المجلس المكون من 15 عضوًا، وقال إن التزام برلين تجاه الأمم المتحدة سيظل ثابتًا لا يتزعزع.
وقال إن ألمانيا، ثاني أكبر دولة مساهمة في الأمم المتحدة، لا تزال "ركيزة موثوقة للتعددية وتعمل بعزم وشعور بالمسؤولية".
وعزا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الذي بذل جهودًا كبيرة للفوز بالمقعد، "الهزيمة المريرة" إلى الدور النشط لألمانيا في حشد الدعم لأوكرانيا ودعمها القوي لإسرائيل.
وقال للصحفيين: "لطالما اتخذنا موقفًا واضحًا بشأن بعض القضايا، وهذه مواقف لا تتفق معها جميع الدول الأعضاء". ووصف الأمر بأنه "ليس سرًا" أن روسيا حشدت الرأي العام ضد ألمانيا، التي تُعد الآن أكبر مُقدم للمساعدات العسكرية لكييف.
وقال: "هناك دعمنا الثابت لأوكرانيا، وحقيقة أن روسيا -العضو الدائم- لا تريد مثل هذا الصوت في مجلس الأمن".
وأضاف: "إن حقيقة أن ألمانيا يجب أن تتحمل دائمًا مسؤولية خاصة تجاه إسرائيل في صراع الشرق الأوسط ربما تكون قد كلفت أصواتًا أيضًا"، في إشارة إلى دعم ألمانيا لإسرائيل باعتباره ركيزة أساسية في سياستها الخارجية "ككفارة عن المحرقة النازية" المزعومة، وفق التقرير.
وأكد "فاديفول" إن ألمانيا ستقف إلى جانب إسرائيل حتى لو أعربت الأخيرة عن انتقادها لأفعال حكومتها في غزة ومستوطنات الضفة الغربية والضربات العسكرية في لبنان.
انتقادات داخلية
منذ أن تولى ميرز منصبه في مايو الماضي على رأس حكومة ائتلافية، حاول إعادة أكبر قوة اقتصادية في أوروبا إلى قوتها مع إيصال صوت برلين بشأن القضايا العالمية، مدعومًا بزيادة حادة في الإنفاق العسكري.
كانت النتائج في الداخل والخارج متباينة، حتى إنها أثارت تكهنات في الأيام الأخيرة بأنه يمكن استبدال ميرز بمنصب المستشار من قبل زميله المحافظ هندريك وست، رئيس وزراء شمال الراين وستفاليا، إذا فشل في تصحيح المسار.
وتلفت "ذا جارديان" إلى أنه "في حين أن مثل هذا السيناريو لا يزال يبدو مستبعدًا للغاية، قال النقاد من مختلف الأطياف السياسية إن ميرز وحلفاءه يتحملون مسؤولية الإخفاق الأخير".
ووصف حزب الخضر المعارض ذلك بأنه "هزيمة محرجة"، وانتقدت نائبة رئيس الكتلة البرلمانية أجنيشكا بروجر الفشل في "دعم هذا المسعى بأفكار حديثة" حول القيادة في مجال حماية المناخ، والنظام الدولي القائم على القواعد، والمساعدات التنموية.
كما قالت أليس فايدل، الرئيسة المشاركة لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني، والذي يتصدر الآن استطلاعات الرأي الألمانية، والناقدة الشرسة لدعم برلين لكييف، في منشور لاذع على موقع "إكس" إن ذلك يؤكد سردية التدهور الوطني.
وقالت: "تتوالى الإحراجات، فبينما كان ميرز ينوي إعادة بلادنا إلى الساحة الدولية في بداية فترة توليه منصب المستشار، تجد ألمانيا نفسها الآن بدون مقعد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة".
أيضًا، انضم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك الأصغر في الائتلاف الحاكم، إلى الانتقادات، قائلًا إن التصويت "لم يكن مجرد عثرة، بل كان بمثابة علامة تحذير".