مع حلول عيد الأضحى يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال واقعًا مختلفًا تمامًا عن أجواء العيد خارج الأسوار، ففي الوقت الذي تتجمع فيه العائلات حول موائد العيد وتتبادل التهاني، يقضي الأسرى أيامهم في ظروف تزداد قسوة يومًا بعد يوم وسط إجراءات عقابية وعزل وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية.
وتكشف أحدث الإحصائيات الصادرة عن المؤسسات المختصة بشؤون الأسرى، أن الاحتلال يواصل اعتقال أكثر من 9400 أسير فلسطيني بينهم 84 أسيرة و3376 معتقلًا إداريًا، إضافة إلى 1283 معتقلًا تصنّفهم سلطات الاحتلال تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين" في إطار منظومة قانونية استثنائية تستخدم لتكريس الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري بحق الفلسطينيين.
ويتوزع الأسرى على أكثر من عشرين سجنًا ومعتقلًا في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية، كما يضم هذا العدد مئات الأطفال الفلسطينيين الذين يحرمون من حقهم في الطفولة والتعليم والحياة الطبيعية، فيما تتضاعف المعاناة لدى أسرى قطاع غزة الذين يواجهون ظروف احتجاز أكثر قسوة وعزلة.
ومنذ السابع من أكتوبر عام 2023 دخلت معاناة أسرى غزة مرحلة جديدة من التنكيل بعد تصنيفهم تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين" وهو تصنيف يحرمهم من العديد من الحقوق التي يكفلها القانون الدولي، بما في ذلك الحق في المحاكمة العادلة والزيارة العائلية والتواصل مع المحامين والمنظمات الدولية، فضلًا عن الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.
ورغم اعتراف إدارة السجون الإسرائيلية بوجود 1283 معتقلًا من غزة ضمن هذا التصنيف فإن مؤسسات الأسرى تؤكد أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر من ذلك بكثير في ظل وجود مئات المعتقلين داخل معسكرات احتجاز ومراكز تحقيق سرية لا يعرف الكثير عن أوضاعهم أو ظروف اعتقالهم.
وفي هذا السياق قال مدير نادي الأسير الفلسطيني عبد الله الزغاري إن الأسرى والأسيرات يعيشون اليوم أسوأ مرحلة شهدتها السجون الإسرائيلية منذ عقود، مشيرًا إلى أن الانتهاكات الجسيمة التي تمارس بحقهم وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة بعدما فرض الاحتلال واقعًا داخل المعتقلات بات يشكل تهديدًا مباشرًا على حياة الأسرى في ظل جرائم التجويع والاعتداءات المتواصلة والحرمان من الحقوق الأساسية التي كفلها القانون الدولي.
وأوضح "الزغاري" أن معاناة الأسرى لا تقتصر على فقدان الحرية فحسب، بل تمتد إلى العزل الكامل والحرمان من التواصل مع العالم الخارجي، مؤكدًا أن أكثر من تسعة آلاف عائلة فلسطينية حُرمت من فرحة العيد بسبب استمرار اعتقال أبنائها، ويتحمّل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن الانتهاكات التي ترتقي إلى مستوى الجرائم بحق الإنسانية داخل السجون، التي أسهمت في استشهاد أكثر من مئة معتقل نتيجة التجويع والاعتداءات المستمرة وانتشار الأمراض وحرمان الأسرى من أبسط حقوقهم الإنسانية.
ويعيش الأسرى الفلسطينيون العيد في ظل حرمان شبه كامل من مظاهره، حيث تعاني السجون من شُح في الطعام ونقص في المواد التموينية الأساسية، إلى جانب استمرار الإجراءات العقابية والتضييق داخل الأقسام، وتحولت المناسبة التي يفترض أن تحمل معاني الفرح والتواصل إلى أيام إضافية من المعاناة والقهر في ظل القيود المشددة التي تفرضها إدارة سجون الاحتلال.
وأشار "الزغاري" إلى أن حرمان الأسرى من زيارة عائلاتهم يشكّل انتهاكًا واضحًا للقوانين والمواثيق الدولية، مؤكدًا أن الاحتلال لا يعاقب الأسرى وحدهم بل يستهدف عائلاتهم أيضًا بحرمانهم من التواصل والاطمئنان على أبنائهم، كما أن منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الأسرى يُزيد من حالة الغموض حول أوضاعهم ويضاعف المخاوف على حياتهم وسلامتهم.
وفيما يتعلق بالأوضاع الصحية، أكد مدير نادي الأسير الفلسطيني أن ما يجري داخل السجون لم يعد مجرد إهمال طبي، بل تحول إلى جرائم طبية يومية بحق الأسرى في ظل الاكتظاظ الشديد وانعدام مقومات النظافة وحرمان المعتقلين من الملابس والأغطية والاحتياجات الأساسية، ومع انتشار مرض الجرب (سكابيوس) الذي يسبب التهابات وتقرحات وآلامًا حادة تحرم الأسرى من النوم وتفاقم معاناتهم اليومية.