الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

شهادات جنود إسرائيليين تفضح كواليس القتل العشوائي على "الخط الأصفر" بغزة

  • مشاركة :
post-title
شهادات صادمة لجنود الاحتلال الإسرائيلي حول استهداف المدنيين الفلسطينيين بالقرب من الخط الأصفر في قطاع غزة

القاهرة الإخبارية - طه العومي

كشف تحقيق صحفي نشرته وكالة "أسوشيتد برس"، استنادًا إلى شهادات أدلى بها جنود احتياط إسرائيليون ومنظمة "كسر الصمت" الحقوقية، عن تفاصيل ميدانية وصفت بـ"القاتمة"، حول طبيعة الأوضاع في الأجزاء التي يسيطر عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة، وذلك منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي.

وتقدم روايات الجنود لمحة نادرة عن ضبابية قواعد الاشتباك حول ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي يقسم القطاع إلى مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية وأخرى فلسطينية، وسط اتهامات لجيش الاحتلال بتحويل هذا الترسيم غير المرئي إلى بيئة مفتوحة لإطلاق النار بقصد القتل، مما أسفر عن سقوط مئات الضحايا المدنيين.

ارتباك ميداني وغياب الوضوح

وفي التفاصيل، نقلت الوكالة عن جندي احتياط في العشرينيات من عمره، خدم في القطاع بين أكتوبر ويناير الماضيين، قوله: "لقد كانت غابة.. بعد وقف إطلاق النار تحول الأمر إلى قاعدة ثابتة: إذا عبر أحدهم الخط الأصفر، فأطلق عليه النار فورًا". ووصف الجندي مشاهد لزملائه وهم يهللون فرحًا بعد صدم سيارة فلسطينية كانت تسير قرب المنطقة العازلة، مما أدى إلى استشهاد جميع ركابها.

وأشار الجنود الثلاثة الذين تحدثوا للوكالة شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، إلى وجود حالة عارمة من الارتباك الميداني وغياب الوضوح بشأن أوامر إطلاق النار. وأوضح أحدهم أن القرارات واستهداف الأفراد بالطائرات المُسيّرة كانت تعتمد في كثير من الأحيان على "الحدس الشخصي" أو رصد آخر إحداثية تحرك؛ نظرًا للمسافات البعيدة والسرعة الفائقة في اتخاذ القرار، مما يجعل تحديد هوية المستهدفين مستحيل.

وأكد جندي آخر أن التعليمات الصادرة عن القادة الميدانيين كانت تقضي بـ"التمسك بالخط مهما كلف الأمر"، مضيفًا: "كان هناك شعور عام بأن حياة الإنسان ليست ذات قيمة". وأوضح أن الرؤساء أبلغوهم بأن ترسيم الخط "مهمة شاقة" وعلى الفلسطينيين أن يخمنوا مكانه بأنفسهم، لافتًا إلى أن الأوامر الشفهية كانت تدفع الصقور والقناصة نحو إطلاق طلقات فتاكة بدلًا من الطلقات التحذيرية بذريعة حماية أنفسهم.

خطوط وهمية غير مرئية

وفي السياق ذاته، أكدت منظمة "كسر الصمت" (بريكينج ذا سايلنس) -وهي منظمة إسرائيلية تضم محاربين قدامى وتُعنى بجمع شهادات الجنود- أن قواعد الاشتباك العامة في غزة "متساهلة للغاية وتصل في العديد من المناطق إلى أوامر صريحة بالقضاء على أي عابر للخط مهما كان الأمر".

وقال المدير التنفيذي للمنتدى، نداف وايمان، إن السياسات الصادرة عن كبار القادة العسكريين "خلقت واقعًا يُقتل فيه عدد لا يحصى من المدنيين، لمجرد عبورهم خطوطًا وهمية غير مرئية".

وكانت وكالة "أسوشيتد برس" قد وثقت ميدانيًا حالات إطلاق نار استهدفت مدنيين فلسطينيين، من بينهم أطفال يلعبون بالقرب من الحرم المعزول للخط الأصفر، وهو ما دفع أحد الجنود للتعليق قائلًا: "إن وصف ما يحدث بوقف إطلاق النار هو أمر مثير للسخرية.. وعلينا التوقف عن استخدام هذا المصطلح".

في المقابل، دافع جيش الاحتلال عن إجراءاته، داعيًا وسائل الإعلام لمعاينة جزء من الخط الأصفر في وسط قطاع غزة بالقرب من مخيم المغازي؛ حيث بدا الخط هناك مسارًا ترابيًا عريضًا يؤدي إلى موقع عسكري محصن على بعد 500 متر.

وأوضح متحدث عسكري إسرائيلي -تحدث شريطة عدم كشف هويته- أن حركة حماس لا تزال تنشط على الجانب الآخر من الخط، وترسل باستمرار أفرادًا مسلحين ومدنيين نحو الترسيم؛ لاختبار جاهزية القوات وردود فعلها، مضيفًا: "لا يوجد أي سبب يدعو المدنيين للاقتراب، فلا يوجد شيء هنا".

وأكدت قيادة جيش الاحتلال في بيان للوكالة، أن المنطقة المتاخمة للخط الأصفر تُعد "بيئة عملياتية حساسة" وضعت لافتات تحذر من العبور نحوها، مشددة على أن القوات لا تستهدف المدنيين لمجرد الاقتراب، وأن القواعد تقتضي استخدام الإنذارات الشفهية والتحذيرية قبل اللجوء إلى القوة المميتة، إلا في حالات التهديد المباشر التي تمنح القوات حق التدخل الفوري.

إحصاءات دموية

ونقل التقرير عن وزارة الصحة في غزة، أن أكثر من 900 شخص استشهدوا في القطاع منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، سقط عشرات منهم بالقرب من الخط الأصفر أو خلفه، بينهم رجال وأطفال عزّل، في وقت يزعم فيه جيش الاحتلال أن معظم القتلى كانوا يشكلون تهديد مباشر.

وتتقاطع هذه البيانات مع تقرير داخلي تداولته منظمات إغاثة دولية، أكد أن الهجمات الإسرائيلية في غزة أصبحت "استباقية بشكل متزايد". وأظهرت بيانات "مشروع مواقع النزاع المسلح وأحداثها" أن شهر أبريل الماضي كان الأكثر دموية في غزة هذا العام؛ حيث ارتفع عدد الوفيات المسجلة قرب الخط الأصفر بنسبة تجاوزت 25% مقارنة بشهر يناير (من 58 إلى 73 حالة وفاة).

ويأتي هذا التصعيد الميداني بالتزامن مع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، هذا الأسبوع، والتي أكد فيها أن إسرائيل تسيطر حاليًا على 60% من أراضي قطاع غزة، وأن الخطوة التالية تستهدف الانتقال للسيطرة على 70%، مما يعزز قناعة الجنود المستجوبين بأن القوات الإسرائيلية تتأهب لبقاء طويل الأمد في القطاع، وسط تعثر المساعي الدبلوماسية الأمريكية لإتمام الانسحاب وإعادة الإعمار؛ بسبب اشتراط نزع سلاح حركة حماس كعقدة رئيسية للحل.