في مشهد ميداني يعكس تحولات متسارعة في قطاع غزة، عاد الحديث عن "الخط الأصفر" و"الخط البرتقالي"، كأداتين لرسم حدود السيطرة على الأرض، حيث كان الأول يمثل نطاق انسحاب مؤقت ضِمن اتفاق التهدئة داخل القطاع، بينما جاء الثاني كامتداد أوسع يعكس توجّهًا نحو تكريس سيطرة أكبر داخل القطاع.
تشير التحركات المرتبطة بـ"الخط الأصفر" و"الخط البرتقالي" إلى توجهات أوسع لسياسات الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة، حيث يُنظر إلى الخط الأصفر كإجراء لترسيم مناطق عازلة مؤقتة، بينما يعكس الخط البرتقالي توجهاً نحو توسيع نطاق السيطرة وفرض واقع ميداني جديد، بما يثير مخاوف من تداعيات سياسية وأمنية أوسع على مستقبل القطاع.
وبين خطٍ فُرض كإجراء مرحلي وآخر يُنظر إليه كخطوة لتغيير الواقع الجغرافي، تتصاعد المخاوف من تداعيات هذه التحركات على مستقبل الأوضاع الإنسانية والسياسية، في ظل رفض دولي وتحذيرات من تقويض فرص الحل.
الفرق بين الأصفر والبرتقالي
ويُعرف "الخط الأصفر" بأنه خط انسحاب الجيش الإسرائيلي خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع المنكوب، ويمتد داخل أراضي قطاع غزة لمسافة تتراوح بين 1.5 و6.5 كيلومتر من الحدود الشرقية، حيث يحيط بنحو 47% من مساحة القطاع وفق تقديرات مبنية على خرائط نشرها الجيش الإسرائيلي. ويفصل هذا الخط بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية شرقًا، وتلك التي يُسمح للفلسطينيين بالعيش والتحرك فيها غربًا، ما أدى إلى حرمان آلاف السكان من العودة إلى منازلهم، خاصةً في شرق مدينة غزة والمناطق الشرقية لمحافظة خان يونس، إلى جانب بلدتي بيت حانون وبيت لاهيا شمالًا.
أما "الخط البرتقالي"، فيمثل تطورًا ميدانيًا أكثر اتساعًا، إذ يتجاوز حدود "الخط الأصفر" ويعكس توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية ليشمل أكثر من 60% من مساحة القطاع، بحسب تقديرات أوروبية وفلسطينية. وبينما ارتبط "الخط الأصفر" بإجراءات مؤقتة ضمن اتفاق التهدئة، يُنظر إلى "الخط البرتقالي" على أنه خطوة نحو فرض واقع جغرافي جديد طويل الأمد، ما يثير مخاوف متزايدة من تقويض فرص الانسحاب الكامل وتعقيد مسار الحل السياسي.
رفض أوروبي
وأعلن الاتحاد الأوروبي رفضه القاطع لأي تغيير في السيطرة على الأراضي داخل قطاع غزة، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تتعارض مع المساعي الدولية الرامية إلى تثبيت التهدئة وتنفيذ بنود الاتفاقات القائمة.
وأوضح المتحدث باسم الشؤون الخارجية أنور العنوني، أن استحداث "الخط البرتقالي" يرفع نسبة الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى أكثر من 60% من مساحة القطاع، بدلًا من المضي في خطوات الانسحاب الإضافية المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر 2025.
ويشير هذا الخط، وفق متابعين، إلى مرحلة متقدمة من إعادة رسم الواقع الميداني داخل غزة، حيث يتجاوز ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي تم تحديده سابقًا ضِمن تفاهمات التهدئة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس توجهًا نحو تكريس سيطرة طويلة الأمد على أجزاء واسعة من القطاع، ما يثير مخاوف من تغييرات جغرافية وديموغرافية دائمة.
في المقابل، شدد الاتحاد الأوروبي على ضرورة توحيد قطاع غزة مع الضفة الغربية تحت إدارة السلطة الفلسطينية، داعيًا إلى تنفيذ عاجل لخطة السلام، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية بشكل فوري ودون قيود، في ظل ما وصفه بالأوضاع الإنسانية "الكارثية" داخل القطاع
خطوة استعمارية
فلسطينيًا، قوبلت الخطوة برفض حاد، حيث اعتبر رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، أن "الخط البرتقالي" يمثل امتدادًا لسياسات تهدف إلى الاستيلاء على مزيد من الأراضي وفرض واقع قسري على السكان. وأكد أن رفع السيطرة الإسرائيلية إلى هذه النسبة يُعَد خرقًا واضحًا للقانون الدولي والاتفاقيات الموقعة، داعيًا إلى تدخل دولي عاجل لإجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل من القطاع.
من جانبها، ثمّنت حركة فتح موقف الاتحاد الأوروبي، معتبرة أنه يعكس دعمًا دوليًا مهمًا لرفض أي تغييرات ديموغرافية في غزة. وقال المتحدث باسم الحركة ماهر النمورة، لـ"القاهرة الإخبارية" إن ما يجري في القطاع يتطلب تحركًا دوليًا عاجلًا، محذرًا من تداعيات استمرار العمليات العسكرية والحصار على الوضع الإنساني.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من التوترات المتصاعدة، خاصة في ظل تصريحات سابقة لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش التي دعا فيها إلى توسيع السيطرة على الأراضي خلال الحرب، ما يعزز المخاوف من توجهات إسرائيلية لإعادة رسم حدود السيطرة في أكثر من جبهة.
وبين رفض دولي وتحذيرات فلسطينية، يبقى "الخط البرتقالي" مؤشرًا على مرحلة أكثر تعقيدًا في مسار الصراع، مع تزايد المخاوف من أن يؤدي ترسيخه إلى تقويض فرص التهدئة والدفع نحو مزيد من التصعيد في المنطقة.
وتشهد غزة توترًا متواصلًا رغم وقف إطلاق النار، حيث تتواصل الغارات الإسرائيلية التي تؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى فلسطينيين من حين لآخر، وسط تعثر تنفيذ بنود الاتفاق، واستمرار الخلافات بشأن آليات إدخال المساعدات الإنسانية والانسحاب العسكري.