حين أصابت رصاصة أذن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تجمع انتخابي بولاية بنسلفانيا صيف 2024، بدا المشهد للحظة وكأنه فصل جديد من التاريخ الأمريكي؛ رئيس أو مرشح رئاسي يقف على حافة الموت في بلد لطالما امتزجت فيه السياسة بالعنف.
لكن ما كشفته أحداث الشهور التالية كان أكثر إرباكًا؛ إذ لم تكن تلك حادثة منفصلة، بل جزءًا من سلسلة امتدت حتى وصلت، صباح اليوم الأحد، إلى تحييد عناصر الخدمة السرية أحد المسلحين قرب البيت الأبيض، وقبلها اكتشاف بنادق مخبأة بين أشجار ملاعب الجولف، ضمن محاولات لاختراق الدوائر الأمنية المحيطة بترامب نفسه.
خلال أقل من عامين، وجد الرجل الأكثر إثارة للانقسام في السياسة الأمريكية نفسه مرارًا داخل دائرة الخطر. وفي كل مرة، كانت الأسئلة تتجاوز مصير ترامب الشخصي لتطال ما هو أكبر: قدرة أقوى دولة في العالم على حماية رؤسائها، وحدود صلابة أجهزتها الأمنية، وما إذا كانت الانقسامات التي تعصف بالمجتمع الأمريكي بدأت تنعكس بصورة أكثر عنفًا حول أعلى هرم السلطة.
أما جذور هذه التهديدات، فتعود إلى ما قبل الرئاسة نفسها تقريبًا. ففي عام 2016، حاول رجل بريطاني انتزاع سلاح شرطي خلال تجمع انتخابي بهدف استهداف ترامب، بينما حاول آخرون الاقتراب من المنصات الأمنية بطرق مختلفة.
ورغم أن كل حادثة بدت منفصلة في وقتها، فإن جمعها معًا يكشف صورة مختلفة؛ إذ لم يعد ترامب يواجه خطرًا موسميًا مرتبطًا بحملة انتخابية أو مناسبة سياسية، بل أصبح محاطًا بطيف واسع من التهديدات، بينها أمريكيون غاضبون، ومتطرفون، ومختلون، ومخططات يُشتبه في امتدادها خارج الحدود الأمريكية.
فكيف تحولت محاولات استهداف ترامب من حوادث متفرقة إلى قصة تكشف هشاشة غير مسبوقة داخل المنظومة الأمنية والسياسية الأمريكية؟
اغتيال
لم تكن كل محاولات استهداف ترامب متشابهة؛ فبعضها انتهى قبل إطلاق النار، وبعضها توقف عند الطوق الأمني، لكن ثلاث حوادث على وجه الخصوص بدت مختلفة، لأنها حملت العنصر الأكثر وضوحًا في أي محاولة اغتيال: سلاح، وهدف، ومسافة قصيرة تفصل بينهما.
كانت المحاولة الأولى الأكثر صدمة. ففي 13 يوليو 2024، وأثناء سعي ترامب للعودة إلى المكتب البيضاوي، كان يقف أمام أنصاره في تجمع انتخابي مفتوح بمدينة باتلر في ولاية بنسلفانيا، في مشهد اعتادته الحملات الأمريكية: منصة مرتفعة، وجمهور واسع، وخطاب انتخابي جديد.
لكن فوق سطح مبنى قريب، كان شاب يستعد للحظة مختلفة؛ إذ أطلق عدة رصاصات من بندقية شبه آلية باتجاه المنصة. أصابت إحداها الجزء العلوي من أذن ترامب اليمنى، فيما قُتل أحد الحاضرين، وأصيب آخران بجروح خطيرة.
بالنسبة إلى الأمريكيين، لم تكن الصدمة في إصابة رئيس سابق يسعى للعودة إلى السلطة فحسب، بل في حدوث ذلك رغم وجود عناصر الخدمة السرية، أقوى جهاز حماية سياسي في العالم وفق الدعاية الأمريكية، على بعد أمتار قليلة فقط.
ورغم أن الحادثة انتهت بمقتل المهاجم برصاص قناصة الخدمة السرية، فإن آثارها لم تتوقف عند السطح الذي وقف فوقه، بل امتدت إلى داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية نفسها.
وبعد شهرين تقريبًا، في 15 سبتمبر 2024، بدا وكأن الاختبار يتكرر بصورة أكثر هدوءًا، وربما أكثر برودة. كان ترامب يمارس الجولف في ناديه بولاية فلوريدا، حين لمح أحد عناصر الخدمة السرية شيئًا غير معتاد وسط الشجيرات المحيطة بالملعب: فوهة بندقية.
في تلك اللحظة، تحرك العميل سريعًا، وأطلق النار نحو المشتبه به، الذي فر قبل القبض عليه لاحقًا. لم يتمكن الرجل من إطلاق أي رصاصة، لكن القضية انتهت بإدانته والحكم عليه بالسجن مدى الحياة. وكانت الرسالة المقلقة هنا أن محاولة الاستهداف لم تعد مرتبطة بمنصات انتخابية مزدحمة أو مناسبات عامة، بل أصبحت قادرة على الاقتراب حتى من اللحظات الأكثر خصوصية في حياة الرئيس.
ثم جاء أبريل 2026. هذه المرة، لم يكن المشهد في الهواء الطلق، بل داخل واحدة من أكثر المناسبات الرسمية حساسية في واشنطن، أثناء حضور ترامب وعائلته عشاء مراسلي البيت الأبيض. وبحسب التفاصيل المعلنة، حاول مسلح اختراق الطوق الأمني للرئيس وهو يحمل بندقية ومسدسًا وعدة سكاكين. وخلال المواجهة، أُصيب أحد عناصر الخدمة السرية بطلق ناري قبل السيطرة على المهاجم واعتقاله.
ومرة أخرى، خرج ترامب دون إصابات، لكن تكرار نجاته بدأ يطرح سؤالًا أعمق من تفاصيل كل حادثة منفردة: هل كانت هذه مجرد محاولات متفرقة ضد رئيس تتراجع شعبيته داخليًا وخارجيًا يومًا بعد آخر، أم مؤشرًا على أن التهديدات المحيطة بالرئاسة الأمريكية دخلت مرحلة جديدة؟
في جميع الأحوال، بدا أن المؤسسة الأمنية الأمريكية وصلت إلى قناعة مختلفة؛ وهي أن التهديد لم يعد استثنائيًا، بل أصبح دائمًا.
مناوشة الخطر
ليست كل التهديدات بحاجة إلى رصاصة تُطلق مباشرة نحو الرئيس حتى تثير القلق. أحيانًا، يكون مجرد وصول شخص مسلح إلى حدود الدائرة الأمنية كافيًا لإطلاق إنذار أكبر: ماذا لو تأخر الأمن دقائق إضافية؟ وماذا لو كان الهدف في المكان نفسه؟
عاد هذا السؤال للظهور في فبراير 2026 داخل منتجع ترامب المفضل في ولاية فلوريدا، حين استغل أحد المهاجمين فتح البوابة الأمنية أثناء خروج موظفين، وتمكن من اختراق محيط المنتجع قبل مواجهة عناصر الحماية. وعندما رفع بندقية صيد باتجاه عملاء الخدمة السرية، انتهى المشهد سريعًا بإطلاق النار عليه وقتله.
لاحقًا، ظهر تفصيل مهم، وهو أن ترامب لم يكن موجودًا في المنتجع أصلًا، بل كان في العاصمة واشنطن يؤدي واجباته الرئاسية. لكن بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية، لم يكن وجوده أو غيابه هو القضية الأساسية، بل كيف تمكن شخص مسلح من الوصول إلى هذه النقطة شديدة القرب من الرئيس.
وقبل ذلك بسنوات، وتحديدًا في أغسطس 2020 خلال ولايته الأولى، ظهر ترامب في مؤتمر صحفي داخل البيت الأبيض، قبل أن يقاطعه فجأة أحد عناصر الخدمة السرية ويقتاده خارج القاعة أمام عدسات الكاميرات. وبعد وقت قصير، اتضح أن عناصر الأمن أطلقوا النار على رجل مسلح اشتبك معهم خارج السياج الأمني للبيت الأبيض.
استمر المشهد دقائق قليلة، لكنه كشف حقيقة أكثر إزعاجًا: حتى أكثر المواقع تحصينًا في العالم ليست بمنأى عن الاختراقات أو التهديدات المفاجئة.
ومع تراكم الحوادث، بدأت دائرة القلق تتسع من الأفراد المسلحين إلى ما هو أكثر تعقيدًا: المؤامرات العابرة للحدود.
ففي أواخر 2024، ثم مجددًا خلال 2026، وجهت السلطات الأمريكية اتهامات لشبكات مرتبطة بإيران بالتخطيط لاستهداف مسؤولين أمريكيين، بينهم ترامب. وبذلك، لم يعد الحديث مقتصرًا على مهاجم يحمل بندقية قرب منصة أو ملعب، بل امتد إلى تهديدات تتحرك داخل المنطقة الرمادية بين الجريمة المنظمة والسياسة الدولية.
وقبل ذلك بسنوات، سلكت محاولة أخرى طريقًا أكثر هدوءًا، ففي سبتمبر 2020، وخلال ولاية ترامب الأولى، اعترضت السلطات رسالة موجهة إلى البيت الأبيض تحتوي على مادة "الريسين" السامة. هذه المرة، لم تكن هناك رصاصة أو مطاردة، بل ظرف بريدي يحمل خطرًا قاتلًا.
إخفاق غيّر القواعد
ربما لم تكن القصة الأخطر هي عدد محاولات استهداف ترامب، بل ما كشفته إحدى تلك المحاولات عن النظام المكلف بحمايته: جهاز الخدمة السرية.
فبعد حادثة بنسلفانيا في يوليو 2024، لم تُعامل التحقيقات الرسمية معها باعتبارها مجرد هجوم فاشل انتهى بإصابة ترامب ومقتل المهاجم، بل بدا ما كُشف لاحقًا أقرب إلى تشريح كامل لمنظومة الخدمة السرية الأمريكية. وأظهرت التحقيقات أن الرصاص الذي مر قرب رأس ترامب سبقته سلسلة طويلة من القرارات الخاطئة والإشارات التي لم يلتقطها أحد.
ووفقًا للتحقيقات وشهادات المسؤولين، لم يكن الخلل في عنصر واحد، بل في طبقات متراكمة من الإخفاقات. البداية كانت مع ما يُعرف أمنيًا بـ"خط الرؤية المباشر". ففي عالم حماية الرؤساء، تُعد السيطرة على الأسطح المرتفعة المطلة على موقع الحدث قاعدة بديهية.
ومع ذلك، بقي المبنى الذي صعد إليه المهاجم خارج نطاق التأمين الأكثر تشددًا، رغم أنه كان يبعد نحو 135 مترًا فقط عن منصة ترامب، وهي مسافة يصفها خبراء الأمن بأنها مثالية للقنص.
لكن الإخفاق لم يتوقف عند الجغرافيا؛ إذ كشفت التحقيقات أيضًا عن فجوات في التنسيق بين جهاز الخدمة السرية وعناصر الشرطة المحلية. فلم تكن هناك غرفة عمليات موحدة، ولا قنوات اتصال متكاملة تضمن انتقال المعلومات بصورة فورية. وحتى توزيع المهام بدا مضطربًا، إذ تمركز قناصة محليون داخل المبنى نفسه، بينما بقي سطحه دون تغطية كاملة.
والأكثر إثارة للقلق أن التحذيرات وُجهت بالفعل. ففي حادثة بنسلفانيا، وقبل إطلاق النار بنحو عشرين دقيقة، لاحظ بعض الحاضرين سلوكًا مريبًا من المشتبه به، الذي شوهد يحمل جهاز قياس مسافات ويتحرك قرب المبنى، قبل أن يصعد لاحقًا إلى السطح.
ورغم تداول صورته بين الجهات الأمنية بوصفه مشتبهًا به، فإن الحدث لم يتوقف، ولم يُنقل ترامب من المنصة، بل استمر الخطاب حتى انطلقت الرصاصة الأولى.
ثم ظهر بُعد آخر للمشكلة: التكنولوجيا نفسها. فبينما واجهت الخدمة السرية أعطالًا حالت دون تشغيل بعض طائراتها المسيَّرة المخصصة للاستطلاع، كان المهاجم قد استخدم مسيَّرة خاصة به لمراقبة الموقع دون أن يُرصد.
بمعنى آخر، بدا أن منفذ الهجوم امتلك رؤية أفضل للميدان من الأجهزة الأمنية المكلفة بإحباط الهجوم.
وأخيرًا، سلطت التحقيقات الضوء على أزمة أعمق داخل جهاز الخدمة السرية، تتمثل في ضغط بشري متزايد، واستنزاف الموارد، والاعتماد بصورة أكبر على عناصر أقل خبرة أو على أجهزة محلية لسد الفجوات.
لم يكن الفشل لحظيًا، بل تراكميًا، ولذلك جاءت نتائجه سريعًا. فقد أدت الضغوط السياسية والتحقيقات إلى استقالة مديرة جهاز الخدمة السرية، وبدء مراجعة واسعة لبروتوكولات حماية ترامب.
وهكذا، ارتفع عدد القناصة، وعادت الحواجز والزجاج المضاد للرصاص إلى التجمعات المفتوحة، وأصبحت إجراءات تأمينه أقرب إلى تلك المخصصة لرئيس يمارس السلطة، لا لمرشح أو رئيس سابق.