دخلت السينما المصرية والعربية في السنوات الأخيرة مرحلة جديدة عنوانها "الإنتاج الضخم"، حيث تتسابق جهات الإنتاج على تقديم أفلام بميزانيات تتجاوز ملايين الدولارات، في محاولة لصناعة أعمال قادرة على المنافسة عالميًا، وتحقيق إيرادات استثنائية داخل وخارج دور العرض.
ومع موسم صيف 2026، يبدو أن الرهان أصبح أكبر من أي وقت مضى، بعدما تصدرت الساحة أفلام مثل أسد و7 Dogs، بميزانيات ضخمة وتوليفات غير تقليدية تجمع بين نجوم الصف الأول والإنتاج العالمي، لكن يظل السؤال الأهم هل تضمن الميزانيات الضخمة نجاح الأفلام وتحقيق الأرباح؟ أم أنها قد تتحول إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر مهما بلغت قوة النجوم والدعاية؟ خصوصًا أن تاريخ السينما يحمل نماذج كثيرة لأعمال ضخمة حققت نجاحات استثنائية، وأخرى سقطت رغم الإنفاق الهائل عليها، ليبقى الرهان الحقيقي دائمًا على جودة الفيلم وقدرته على جذب الجمهور.
الجودة الفنية قبل التكلفة المالية
يؤكد الناقد الفني طارق الشناوي أن النجاح أو الفشل في السينما لا يخضعان لقواعد ثابتة أو معادلات جاهزة، موضحًا أن التاريخ السينمائي يحمل نماذج عديدة لأفلام حققت نجاحًا كبيرًا رغم اعتمادها على وجوه جديدة، وأخرى لم تنجح رغم امتلاكها المقومات نفسها، وهو ما ينفي وجود قاعدة مطلقة يمكن القياس عليها.
أضاف الشناوي، لموقع القاهرة الإخبارية، أن الميزانية الضخمة ليست معيارًا حاسمًا للنجاح، كما أنها ليست سببًا مباشرًا للفشل، مشددًا على أن الحكم الحقيقي يكون دائمًا لما يظهر على الشاشة، وكيفية توظيف هذه الميزانية داخل العمل الفني نفسه، وأضاف أن القيمة الحقيقية لأي إنتاج تكمن في مدى قدرته على تقديم حالة فنية جاذبة تستحق حجم الإنفاق الذي تم ضخه فيه.
واستشهد الشناوي بفيلم عمارة يعقوبيان، الذي عُرِض عام 2006، باعتباره نموذجًا واضحًا لفيلم جمع بين النجاح الفني والجماهيري رغم تكلفته الإنتاجية الكبيرة آنذاك، إذ يؤكد أن الفيلم اعتمد على كوكبة ضخمة من النجوم، وشهد عودة الفنانيْن عادل إمام ونور الشريف للعمل معًا بعد سنوات طويلة، إلى جانب مشاركة أسماء كبيرة -مثل يسرا- في أدوار محدودة، كما كان أول تجربة إخراج روائي طويل للمخرج مروان حامد، ورغم كل تلك المغامرات حقق الفيلم نجاحًا استثنائيًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
وأشار إلى أن السينما العالمية أيضًا تقدم أمثلة مشابهة، مستشهدًا بفيلم الوصايا العشر، الذي ظل نموذجًا للأعمال الضخمة إنتاجيًا وجماهيريًا في الوقت نفسه.
وفي المقابل، لفت الشناوي إلى وجود أفلام أُنتِجَت بميزانيات هائلة وضمت عددًا كبيرًا من النجوم لكنها فشلت فشلًا كبيرًا مثل فيلم "ليلة البيبي دول" مؤكدًا أن المشكلة لم تكن يومًا في حجم الإنفاق، بل في جودة الفيلم نفسه وما يقدمه للمشاهد.
الشاشة صاحبة الإجابة
وأضاف أن البعض يتسرع في إطلاق أحكام نظرية حول مستقبل الأفلام قبل عرضها، بينما الحقيقة الوحيدة يحملها العمل الفني ذاته بعد وصوله إلى الجمهور. وتابع: "الشاشة وحدها هي صاحبة الإجابة، وليست التوقعات أو الأحكام المسبقة".
وتطرق الشناوي إلى فيلم "أسد"، مؤكدًا أن المعادلة الإنتاجية لأي فيلم لا تتوقف عند تكلفة التصوير فقط، بل تشمل أيضًا التوزيع الخارجي والعرض على المنصات الرقمية، وهو ما يجعل بعض الميزانيات تبدو ضخمة ظاهريًا، بينما تكشف التفاصيل لاحقًا عن وجود حسابات إنتاجية وتسويقية دقيقة تبررها.
وأشار إلى أن الأرقام المتداولة أحيانًا حول حجم الإنتاج والميزانيات قد تتضمن مبالغات، مؤكدًا ضرورة انتظار النتائج النهائية وعدم التسرع في إصدار الأحكام حول نجاح الأفلام أم خسارتها، خاصة أن استمرار النجاح هو الاختبار الحقيقي لأي عمل سينمائي.
استرداد تكلفة الأفلام الضخمة يتطلب وقتًا طويلًا
ترى الناقدة الفنية ماجدة موريس أن موسم الصيف السينمائي الحالي يشهد حالة من الزخم غير المسبوق على مستوى الإنتاجات الضخمة، خاصة مع دخول ميزانيات كبيرة وأفلام تعتمد بشكل أساسي على الأكشن والإبهار البصري، مؤكدة أن الحكم الحقيقي على نجاح هذه الأعمال لا يمكن أن يتم خلال أيام العرض الأولى فقط.
وقالت ماجدة موريس، لموقع القاهرة الإخبارية، إن تشجيع المنتجين على تكرار هذه النوعية من الأعمال لن يحدث بمجرد وجود أسماء كبيرة أو حملات دعائية واسعة، وإنما يرتبط بشكل مباشر بحجم الإيرادات التي تحققها الأفلام بعد انتهاء الموسم، موضحة أن المنتج لن يشعر بالاطمئنان إلا عندما يرى إقبالًا جماهيريًا حقيقيًا ينعكس على شباك التذاكر.
وأضافت أن السوشيال ميديا أصبحت اليوم لاعبًا رئيسيًا في تقييم الأفلام، بل وأخذت جزءًا كبيرًا من دور النقد الفني التقليدي، إذ أصبح المنتج يراقب حجم التفاعل والإشادات الجماهيرية وردود الأفعال عبر المنصات المختلفة قبل اتخاذ قرار الدخول في تجارب إنتاجية مشابهة.
وأكدت أن حالة الإعجاب الجماهيري والانتشار الواسع عبر مواقع التواصل من العوامل التي تدفع المنتجين للتفكير في ضخ استثمارات أكبر مستقبلًا، لكن هذه النتائج لا تظهر فور عرض الفيلم، وإنما تحتاج إلى وقت طويل بعد انتهاء الموسم السينمائي.
سيطرة الأكشن
وأوضحت ماجدة موريس أن أغلب الإنتاجات الضخمة الحالية تعتمد على الأكشن باعتباره عنصر الجذب الأهم بالنسبة للشباب، الذين يمثلون الشريحة الأكبر من جمهور السينما حاليًا، مشيرة إلى أن هذا النوع من الأفلام يمنح المشاهد حالة من الإثارة والحركة السريعة التي تلامس رغباته وأحلامه، وربما تعوضه عن أشياء لا يستطيع تحقيقها في الواقع.
وأضافت أن العديد من هذه الأعمال تحمل طابع الإنتاج المشترك بين جهات مصرية وعربية، مع الاستعانة بمخرجين كبار وأحيانًا بخبرات أجنبية لتقديم مستوى تقني وبصري متطور.
القصة.. العنصر الأهم
وشددت الناقدة الفنية على أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بالإبهار البصري فقط، مؤكدة أن القصة والسيناريو والحوار تظل عناصر أساسية لا يمكن تجاهلها مهما بلغت ضخامة الإنتاج.
وقالت: "في النهاية السؤال الأهم هو: ماذا تقول هذه الأفلام؟ وما الرسائل التي تقدمها للجمهور؟"، موضحة أن قوة البناء الدرامي وقدرة العمل على التعبير عن المجتمع تظل من أهم عوامل النجاح، حتى وإن تم تجاهلها أحيانًا لصالح الأكشن والمؤثرات.
وأضافت أن الجمهور قد ينبهر بصريًا ببعض الأعمال، لكنه في الوقت نفسه يبحث عن شخصيات وحكايات يشعر أنها قريبة منه وتعبر عن واقعه الحقيقي.
وتطرقت ماجدة موريس إلى الجدل المثار حول بعض الأفلام ذات الميزانيات الضخمة، مؤكدة أن تحقيق الأرباح في هذه النوعية من الأفلام لا يحدث سريعًا، خاصة في موسم العيد فقط، وأن استرداد الميزانيات الضخمة يحتاج إلى وقت طويل يمتد لما بعد العرض السينمائي، من خلال إعادة التسويق والعرض على المنصات الرقمية وحقوق التوزيع المختلفة.
وأشارت إلى أن بعض هذه الأعمال قد ينجح بالفعل في تحقيق عوائد ضخمة، لكن الأمر لا ينطبق على جميع الأفلام، مؤكدة أن الجمهور عندما يحب فيلمًا ما يبدأ في الترويج له بنفسه، وهو ما يمنحه عمرًا أطول داخل دور العرض.
وأشارت إلى أن الرهان الحقيقي ليس فقط على حجم الإنفاق، وإنما على جودة المحتوى وقدرة الفيلم على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم، لأن المشاهد في النهاية يبحث عن عمل يشعر أنه يشبهه ويعبر عنه، مهما كانت طبيعة الفيلم أو نوعه.
الميزانية ليست ضمانًا لنجاح العمل فنيًا وجماهيريًا
بدورها، تؤكد الناقدة خيرية البشلاوي أن ارتفاع ميزانيات الأفلام أو انخفاضها لا يُعد ضمانًا لنجاح العمل، سواء على المستوى الجماهيري أو الفني، مشيرة إلى أن تاريخ السينما شهد تقديم أفلام عظيمة صنعت تيارات فنية مهمة، ومنها أعمال تنتمي إلى الواقعية السحرية، رغم أنها أُنتجت بميزانيات محدودة ولم تحتج إلى الأرقام الضخمة التي يتم الترويج لها حاليًا.
وأوضحت البشلاوي، لموقع "القاهرة الإخبارية"، أنها لا تثق بشكل كامل في الأرقام المتداولة حول الميزانيات الضخمة لبعض الأعمال السينمائية، مؤكدة أن المعيار الحقيقي بالنسبة لها هو جودة الفيلم ومستواه الفني، وليس حجم ما أُنفق عليه.
وقالت إن الفيلم الجيد هو الذي يستحق ما يُصرف عليه، لأنه يترك أثرًا في الثقافة المصرية ويعبر عن ذائقة فنية قادرة على البقاء والتسجيل في التاريخ.
وأضافت أن صناعة السينما كانت دائمًا صناعة مكلفة، لكن الأهم أن تُنفَق هذه الميزانيات على أعمال تحمل قيمة حقيقية، سواء من حيث القصة أو المضمون أو الرسالة الفنية، مؤكدة أن ما يشغلها في النهاية هو المستوى الفني للعمل وقدرته على التأثير.
وأشارت إلى أن الفيلم السيئ، حتى إذا تعرض للخسارة، قد يتحول في بعض الأحيان إلى مكسب من زاوية أخرى، لأنه يمنح الصناعة دروسًا مهمة ويكشف مكامن الخلل التي يجب تجنبها مستقبلًا.