في زيارة تعكس عُمق العلاقات التاريخية بين مصر وليبيا، استقبل مجلس النواب المصري بمقره في العاصمة الجديدة، رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح، 18 مايو 2026. وشكّلت كلمة عقيلة صالح أمام مجلس النواب المصري حدثًا سياسيًا يتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي للزيارات البرلمانية، إذ حملت مضامين ورسائل متعددة تعكس طبيعة العلاقات المصرية الليبية، كما كشفت عن رؤية البرلمان الليبي للدور المصري في الأزمة الليبية ومستقبل التسوية السياسية. وجاءت الكلمة في توقيت بالغ الحساسية تشهده ليبيا والمنطقة برمتها في ظل استمرار الانقسام السياسي الليبي وتصاعد التحديات الأمنية والإقليمية، بما منح الزيارة والكلمة أهمية سياسية خاصة. لذا، فإن الزيارة لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي بين مؤسستين تشريعيتين، بل مثلت رسالة سياسية واضحة بشأن طبيعة العلاقات المصرية الليبية ومستقبل الدور المصري في الأزمة الليبية.
تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للتعرف على دلالات زيارة رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح للبرلمان المصري.
دلالات مهمة
تحمل زيارة رئيس مجلس النواب الليبي إلى مجلس النواب المصري دلالات سياسية وإستراتيجية متعددة، يمكن ملاحظتها من خلال كلمته التي ألقاها:
(*) تأكيد عمق التحالف السياسي والأمني بين البلدين: حملت كلمة عقيلة صالح أمام مجلس النواب المصري طابعًا تاريخيًا واستدعاءً مكثفًا لذاكرة العلاقات بين البلدين، خاصة خلال فترات الاستعمار الإيطالي في ليبيا والاحتلال البريطاني في مصر. وجاءت الإشارة إلى "السياج الشائك" الذي أقامه الاحتلال الإيطالي بين مصر وليبيا كرسالة رمزية مهمة، إذ أراد عقيلة صالح التأكيد أن محاولات الفصل بين البلدين كانت دائمًا هدفًا للقوى المعادية سواء خلال فترة الاستعمار أو في الوقت الراهن. ولذلك فإن حديثه عن أن "فصل ليبيا عن مصر هدف إستراتيجي متجدد" يعكس إدراكًا لدى القيادة البرلمانية الليبية بأن قوة ليبيا واستقرارها يرتبطان بعمقها المصري والعربي، بجانب تأكيد محورية ملفات الأمن الحدودي، ومكافحة التنظيمات المسلحة، ومنع تمدد الجماعات المتطرفة عبر الحدود الغربية لمصر.
(*) الإشارة إلى الدور المصري في ملف إعادة إعمار ليبيا: من الدلالات المهمة في الخطاب أيضًا التركيز على مشاركة الشركات المصرية في إعادة إعمار ليبيا بدعم من القيادة السياسية المصرية، ويشير هذا البعد الاقتصادي إلى انتقال العلاقة من مستوى الدعم الأمني والسياسيإلى مستوى الشراكة التنموية، إذ تمثل إعادة الإعمار في ليبيا أحد أهم ملفات النفوذ في المرحلة المقبلة، إذ تتنافس قوى إقليمية ودولية على عقود البنية التحتية والطاقة. ومن هنا، فإن الإشارة إلى الدور المصري تعكس رغبة واضحة في تثبيت موقع القاهرة كشريك اقتصادي رئيسي في ليبيا، وليس فقط كفاعل أمني أو سياسي.
(*) تثبيت شرعية مجلس النواب الليبي كطرف تفاوضي رئيسي: تأتي الزيارة في سياق سياسي حساس داخل ليبيا، إذ لا تزال العملية السياسية تعاني الانقسام بين حكومتين متنافستين، وتعثر التوافق على قاعدة دستورية للانتخابات. في هذا الإطار، يكتسب ظهور عقيلة صالح داخل البرلمان المصري أهمية رمزية، إذ يعزز من موقع مجلس النواب الليبي كمؤسسة تشريعية فاعلة يحظى بدعم إقليمي، خاصة من دولة محورية مثل مصر. ولا يمكن فصل هذا الحضور عن الدور المصري في الملف الليبي، الذي يقوم على دعم المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات ورفض الفوضى السياسية وتعدد مراكز السلطة التنفيذية. ومن ثم، فإن استضافة البرلمان المصري لعقيلة صالح تُمثل رسالة سياسية غير مباشرة تؤكد استمرار الاعتراف بهذا المسار التشريعي كمرجعية أساسية في أي تسوية مستقبلية.
(*) إعادة تأكيد معادلة "الحل الليبي – الليبي": أكد عقيلة صالح خلال كلمته بشكل متكرر ضرورة الحل السياسي الداخلي، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وتوحيد المؤسسات، كلها نقاط تتماشى مع الموقف المصري الرسمي، فهذه المعادلة تعني عمليًا رفض فرض حلول خارجية أو مسارات انتقالية طويلة الأمد لا تنتهي إلى انتخابات. كما يعكس التركيز على إخراج القوات الأجنبية أحد أكثر الملفات حساسية في الأزمة الليبية، ويضع هذا المطلب في إطار مشترك بين القاهرة وبنغازي ما يعزز التنسيق السياسي بين الطرفين في المحافل الدولية.
(*) استخدام التاريخ كأداة لتبرير الحاضر السياسي: من أبرز دلالات خطاب عقيلة صالح داخل البرلمان المصري الاعتماد الكثيف على البُعد التاريخي، سواء عبر استدعاء رموز مثل مصطفى كامل ومحمد فريد، أو الإشارة إلى دعم مصر للمجاهدين الليبيين ضد الاحتلال الإيطالي. فهذا التوظيف للتاريخ يؤدي وظيفة سياسية واضحة ألا وهي إعادة صياغة العلاقة المصرية الليبية بوصفها علاقة لا تخضع لمعادلات السياسة المتغيرة، بل تستند إلى روابط أعمق من الدولة الحديثة، فالإشارة إلى التعاون العسكري التاريخي وتأسيس الجيش السنوسي تحمل إسقاطًا على الحاضر في سياق إعادة بناء المؤسسة الليبية كعامل استقرار.
(*) إرسال رسائل إقليمية ودولية غير مباشرة: تحمل زيارة عقيلة صالح رسائل موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية فاعلة في الملف الليبي، أن الرؤية المصرية الضامن لاستقرار ليبيا، خاصة أنها تؤكد بقاء المؤسسات الليبية كفاعل وازن في تعزيز المسار السياسي الشامل. كما أن هذا التقارب يعكس استمرار التوازنات الإقليمية في ليبيا، إذ تتنافس قوى متعددة على النفوذ، بينما تحافظ مصر على موقعها كفاعل استقرار يركز على استقرار أمن الحدود. وإعلان البرلمان المصري دعم ترشُح عقيلة صالح لرئاسة البرلمان الإفريقي الآسيوي يعكس محاولة مصرية لتعزيز الحضور الليبي داخل المؤسسات الإقليمية والدولية، بما يساعد على إعادة دمج ليبيا سياسيًا ودبلوماسيًا بعد سنوات من الانقسام والصراع.
ختامًا، يمكن القول إن زيارة رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح وخطابه المُلقى بالبرلمان المصري ليست مجرد حدث دبلوماسي، بل محطة سياسية تعكس تثبيت محور القاهرة-شرق ليبيا كأحد أهم أركان المشهد الليبي الحالي. فالزيارة بمثابة تأكيد فعلي أن حل الأزمة في ليبيا مرهونة بجملة توازنات إقليمية تكون فيها مصر متصدرة المشهد جغرافيًا وتاريخيًا وأمنيًا. ولا شك أن اختيار العاصمة الجديدة كمقر رسمي للزيارة يحمل دلالة رمزية لإبراز الاستقرار المؤسسي المصري كنموذج يمكن لليبيا الاستفادة منه في المرحلة المقبلة.