عاد المخرج الإيراني الحائز على جائزتي أوسكار، أصغر فرهادي، إلى مهرجان كان السينمائي للمرة الخامسة من خلال فيلمه الدرامي الناطق بالفرنسية "حكايات متوازية"، وهو العمل الذي أخرجه خلال فترة منفاه الاختياري بعد مغادرته إيران عام 2022، في أعقاب وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني وما تبعها من احتجاجات واسعة فجّرت انتفاضة "امرأة، حياة، حرية"، التي اعتُبرت أكبر تحدٍ تواجهه الجمهورية الإيرانية منذ ثورة عام 1979.
ومنذ مغادرته إيران، أصبح فرهادي أحد أبرز الأصوات الفنية المناصرة لقضايا الحرية من خارج البلاد، قبل أن يعود أخيرًا إلى وطنه بعد انتهاء العمل على فيلمه الجديد، في خطوة بدت محمّلة بالحنين والارتباط العاطفي العميق بالأرض والثقافة واللغة التي نشأ فيها.
وخلال سنوات المنفى، شرع فرهادي في تطوير مشروع "حكايات متوازية"، المستوحى من رواية "الوصايا العشر: ستة" للمخرج البولندي الراحل كريستوف كيشلوفسكي، وهي إحدى حلقات مشروعه الشهير "الوصايا العشر"، الذي تناول قضايا المراقبة والهوس والحب الأحادي والانجذاب القائم على التخيل.
في البداية، كان من المقرر أن تدور أحداث الفيلم في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن المنتج ألكسندر ماليت-جاي وشريكه الأمريكي لم يتمكنا من تأمين التمويل اللازم، لاحقًا، جرى نقل موقع الأحداث إلى باريس، الأمر الذي سهّل جمع طاقم تمثيل فرنسي رفيع المستوى ضم مجموعة من أبرز نجوم السينما الفرنسية، من بينهم إيزابيل أوبير، وآدم بيسا، وفيرجيني إيفيرا، وفينسنت كاسيل، وبيير نيني، وكاثرين دينوف.
وتدور أحداث "حكايات متوازية" حول كاتبة باريسية منعزلة تؤدي دورها إيزابيل أوبير، تقوم بالتجسس على جيرانها، وهم فنانو مؤثرات صوتية، بحثًا عن الإلهام الأدبي، قبل أن تبدأ الحدود الفاصلة بين الخيال والواقع في التلاشي تدريجيًا.
عُرض الفيلم لأول مرة ضمن فعاليات مهرجان كان السينمائي، حيث استقبلته الصحافة النقدية بردود فعل متباينة ووُصف بأنه "فاتر"، إلا أن العمل حقق نجاحًا جماهيريًا ملحوظًا في فرنسا بعد طرحه عبر شركة Memento Films، إذ تصدر شباك التذاكر الفرنسي محققًا أكثر من 125 ألف تذكرة وحوالي 1.2 مليون دولار خلال أسبوعه الأول، وهي أرقام قاربت النجاح الذي حققه فيلمه السابق في السوق الفرنسية.
في حوار مع مجلة Variety على هامش مهرجان كان، كشف فرهادي تفاصيل الرحلة الطويلة التي قادت إلى إنجاز "حكايات متوازية"، متحدثًا عن بدايات المشروع التي تعود إلى خمس سنوات مضت، حين تواصلت معه شركة أمريكية عبر وكيل أعماله واقترحت عليه تحويل مشروع "الوصايا العشر" إلى مسلسل تلفزيوني.
وأوضح فرهادي أنه لم يكن مهتمًا أصلًا بفكرة المسلسلات، لكنه وافق على إجراء محادثة عبر تطبيق "زووم" مع الكاتب البولندي الراحل كريستوف بيسيفيتش، الشريك الإبداعي لكيشلوفسكي، والذي اقترح عليه بدوره اختيار حلقة واحدة فقط وتحويلها إلى فيلم سينمائي مستقل يحمل رؤيته الخاصة.
وقال فرهادي إنه اختار "فيلم قصير عن الحب"، الحلقة السادسة من "الوصايا العشر"، لأنها الأكثر رسوخًا في ذاكرته، مضيفًا أن المشروع مثّل أول تجربة اقتباس سينمائي في مسيرته الفنية، بعدما اعتاد كتابة أفلامه الخاصة بالكامل.
وخلال تطوير السيناريو، بدأت فكرة جديدة بالتبلور لديه بالتعاون مع شقيقه سعيد فرهادي، تقوم على استبدال عنصر "الصورة" في القصة الأصلية بعالم "الصوت"، ليصبح الأشخاص الذين يراقبهم البطل فناني مؤثرات صوتية، في محاولة لاستكشاف العلاقة المركبة بين الصوت والصورة والكتابة والخيال.
وأشار فرهادي إلى أن اهتمامه بالصوت ليس جديدًا، بل يعود إلى سنوات دراسته الجامعية، حين تناولت فكرته مفهوم الصمت في أعمال الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بينتر، وأضاف أن الصوت بالنسبة له يحمل طاقة درامية أكبر من الصورة، لأنه يترك مساحة أوسع للخيال، موضحًا فكرته بقوله: "إن بعض الناس حين يرون قطارًا يمر يركزون على صورته، بينما يغمض آخرون أعينهم ليستمعوا فقط إلى صوته".
كما تحدث فرهادي عن تجربته مع طاقم التمثيل الفرنسي، مؤكدًا أنه لم يكن ينوي منذ البداية جمع هذا العدد الكبير من النجوم، لكن الممثلين الذين تواصل معهم وافقوا سريعًا على المشاركة، ما أسفر عن تكوين فريق وصفه بالمميز والمريح على المستوى المهني والإنساني.
وتوقف بشكل خاص عند اختيار الممثل آدم بيسا، مشيرًا إلى أن شخصية "تي كي" كانت محورية بالنسبة له، لأنها تمثل شخصًا قليل الكلام، غامضًا، شديد الوحدة، ويشعر دائمًا بأنه غريب عن المجتمع، سواء كان أجنبيًا فعليًا أم مجرد شخص ينتمي إلى خلفية مختلفة.
وفي سياق حديثه عن العمل بلغات وثقافات مختلفة، أشاد فرهادي بالتعاون المستمر مع مترجمته ومساعدته الفنية ماسوماي لاهيجي، موضحًا أن دورها تجاوز حدود الترجمة التقليدية ليشمل نقل التفاصيل الثقافية الدقيقة وضمان الحفاظ على روح الحوار والتفاصيل النفسية التي يريد إيصالها داخل النص.
أما عن عودته الأخيرة إلى إيران، رغم تعهده السابق بعدم العمل هناك حتى تتمكن النساء من الظهور في أفلامه دون حجاب، فقد تحدث فرهادي بلغة شديدة العاطفة، مؤكدًا أن ارتباطه بإيران يتجاوز أي خلاف سياسي أو فني.
وقال في ختام حديثه: "الأمر يشبه وجود أم مريضة، عندما تمرض أمك لا يمكنك التخلي عنها، كل ما تستطيع فعله هو الجلوس بجوارها والإمساك بيدها، إنها أرضي وثقافتي ولغتي والمكان الذي نشأت فيه، حين أتمكن من العمل أعمل، لكن بعد انتهاء العمل أرغب دائمًا في العودة إلى الوطن".