عاد المخرج الدنماركي نيكولاس ويندينج ريفن إلى مهرجان كان السينمائي من خلال فيلمه الجديد Her Private Hell أو "جحيمها الخاص"، مواصلًا نهجه السينمائي المثير للجدل الذي لطالما أثار انقسامًا حادًا بين الجمهور والنقاد على حد سواء.
الفيلم الجديد المقرر طرحه في دور العرض الأمريكية 24 يوليو المقبل، يضم في بطولته النجمة الصاعدة صوفي تاتشر، إلى جانب تشارلز ميلتون، الذي شهد تحولًا كبيرًا في مسيرته الفنية بعد مشاركته في فيلم May December للمخرج تود هاينز، والذي عرض لأول مرة في مهرجان كان عام 2023.
وشهد العرض الليلي للفيلم أجواءً استثنائية، بعدما سبقت انطلاقته أمطار غزيرة تزامنت مع وصول ريفن ونجوم العمل إلى قصر المهرجانات وعقب انتهاء العرض وظهور شارة النهاية، دوى التصفيق داخل القاعة في مشهد مؤثر، حيث دخلت صوفي تاتشر في حالة من البكاء، بينما كان ريفن يتحرك داخل القاعة، محمسًا الجمهور لتحية استمرت نحو سبع دقائق كاملة.
وبعد انتهاء التصفيق، أمسك ريفن بالميكروفون وألقى كلمة وصفها الحضور بالمؤثرة والصادمة في آنٍ واحد، إذ كشف لأول مرة عن تعرضه لأزمة صحية خطيرة قبل عدة سنوات، موضحًا أن قلبه توقف عن النبض لمدة 25 دقيقة كاملة قبل أن يتمكن الأطباء من إنعاشه.
وقال ريفن خلال حديثه: "هذا الأمر يغير الإنسان بالكامل، عندما تتم إعادته إلى الحياة بالكهرباء، الآن وقد عدت إلى الحياة، لم يتبق لي سوى 25 عامًا أخرى، لكنني سأستغلها بأقصى ما يمكن لأعيش الحياة بكل ما فيها".
وحظيت تصريحاته بتفاعل وتصفيق حار من الحضور، قبل أن يضيف: "إعادة تقديم هذا الفيلم والعودة إلى كان، الذي أعتبره مسقط رأسي الفني، تمثل خطوة هائلة بالنسبة لي، أنا هنا لأحمل الشعلة، لكن الأمر لا يتعلق بي وحدي".
ورغم الطابع الجاد للكلمة، سرعان ما عاد ريفن إلى أسلوبه الساخر والمثير للجدل، متحدثًا عن جاذبية أبطال الفيلم وأجسادهم التي تظهر بوضوح ضمن أحداث العمل، وعلى رأسهم تشارلز ميلتون.
وفي ختام حديثه، وجه ريفن رسالة مطولة عن أهمية السينما والفن في العالم المعاصر، معتبرًا أن الفن أصبح الملاذ الأخير للبشر في ظل الأزمات السياسية والانقسامات العالمية.
وقال: "لقد أفسد السياسيون العالم، ودمروا الدول ونهبوا الأموال، ولم يتبق سوى الفن".
وأضاف: "في وقت أصبح فيه الجميع يتقاتلون ويصرخون في وجه بعضهم البعض، تظل السينما الشيء الوحيد القادر على جمع الناس في مكان واحد لخوض تجربة جماعية".
وأوضح المخرج الدنماركي أنه لا يعارض مشاهدة الأفلام عبر الهواتف المحمولة أو المنصات الرقمية، مشيرًا إلى أنه يفعل ذلك شخصيًا، لكنه شدد على أن جوهر السينما الحقيقي يكمن في التجربة الجماعية داخل قاعات العرض.
وتابع: "السينما تعني أن نجلس معًا ونشاهد الأفلام معًا، فهذا ما يفعله البشر، وفي النهاية نحن مجرد بشر".
واختتم كلمته إلى أزمته الصحية قائلًا: "هذا هو العام الأول، اليوم الأول، السينما هي المستقبل، السينما لا تزال حية.. لقد بعثت من جديد".
ويوصف فيلم "جحيمها الخاص" بأنه تجربة بصرية أشبه بحلم محموم مغمور بألوان النيون، وهو الطابع الذي اشتهر به ريفن في أعماله السابقة وتدور أحداث الفيلم حول نجمة سينمائية معذبة تؤدي دورها صوفي تاتشر، تعاني من اضطرابات نفسية ومشكلات مع والدها، بعد زواج صديقتها المقربة منه.
وبالتوازي، يظهر كيان غامض يعرف باسم "الرجل الجلدي"، يرتكب سلسلة جرائم قتل مروعة بحق شابات يصرخن بكلمة “أبي!” قبل أن يتم تمزيقهن بطريقة دموية.
أما تشارلز ميلتون، فيجسد شخصية جندي في الجيش الأمريكي تختفي ابنته في ظروف غامضة، ما يدفعه إلى خوض رحلة انتقامية عنيفة لتعقب "الرجل الجلدي" والقضاء عليه.
ويضم الفيلم مجموعة من النجوم المشاركين، من بينهم هافانا روز ليو، كريستين فروسيث، دوجراي سكوت، دييجو كالفا، شيولي كوتسونا، آوي يامادا، وهيديتوشي نيشيجيما.
ويُعد هذا العمل رابع تعاون متتالي بين ريفن ومهرجان كان خلال العقد الأخير، بعدما سبق أن قدم أفلامه الأخيرة ضمن فعاليات المهرجان، وعلى رأسها فيلم Drive الذي حقق نجاحًا كبيرًا وفاز عنه ريفن بجائزة أفضل مخرج عام 2011، إلا أن أفلامه التالية، مثل Only God Forgives وThe Neon Demon، أثارت حالة من الانقسام والجدل، خاصة The Neon Demon الذي شهد خلال عرضه ردود فعل حادة وصلت إلى الاستهجان ومغادرة بعض الحضور للقاعة والصراخ غضبًا أثناء العرض.
ويمثل Her Private Hell أول فيلم روائي طويل لريڤن منذ نحو عشر سنوات، منذ تقديمه لفيلم The Neon Demon، إذ اتجه خلال تلك الفترة إلى التلفزيون من خلال مسلسلي Too Old to Die Young وCopenhagen Cowboy.