لم تكن الأزمة المثارة حول مسلسل "قانون الفرنساوي"، بطولة الفنان عمرو يوسف، الأولى من نوعها في الدراما المصرية، بعدما واجه العمل اعتراضات من عدد من المحامين، بدعوى إساءته لصورة مهنة المحاماة، بالتزامن مع تقديم شكوى رسمية ضد صُنّاعه أمام الجهات المختصة.
لكن هذه الحالة تتكرر كثيرًا مع أعمال فنية عديدة، فبمجرد ظهور طبيب فاسد، أو محامٍ انتهازي، أو إعلامي يسعى وراء مصالحه الشخصية، تتصاعد موجات الغضب وتُفتح أبواب الاتهامات بالإساءة والتشويه، وسط جدل دائم حول حدود حرية الإبداع، وما إذا كان الفن مُطالَبًا بتقديم صورة مثالية للمجتمع ومهنه المختلفة.
الدراما تعكس تناقضات المجتمع
تؤكد الناقدة الفنية ماجدة موريس، رئيسة لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، أن الأزمة المثارة حول مسلسل "الفرنساوي" لا تتعلق بالإساءة إلى مهنة المحاماة، بقدر ما جاءت نتيجة شكوى تقدم بها صاحب مكتب محاماة، بعدما اعتبر أن العمل قد يترك انطباعًا سلبيًا عن مكتبه والمهنة لدى الجمهور.
وأوضحت موريس لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن العمل الدرامي بطبيعته يضم شخصيات متنوعة بين الإيجابي والسلبي، مشيرة إلى أن استخدام أسماء قد تتشابه مع كيانات حقيقية، سواء كانت مكاتب أو شركات أو رجال أعمال، يخضع لضوابط ينظمها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مؤكدة أن الشكوى المقدمة تم رفضها لعدم وجود إساءة مباشرة للمهنة نفسها داخل الأحداث.
وشددت الناقدة المصرية على أن الدراما والسينما تعبّران عن المجتمع من خلال الحكايات والشخصيات الإنسانية بكل ما تحمله من تناقضات وأخطاء، قائلة: "الفن لا يمكن أن يقدم عالمًا مثاليًا خاليًا من العيوب؛ لأن ذلك يفقده صدقه وقدرته على التعبير عن الواقع".
وأضافت أن الاعتراض على ظهور شخصيات سلبية داخل أي مهنة، ثم الاستجابة لهذه الاعتراضات، قد يقود في النهاية إلى تقييد حرية الإبداع وإفراغ الدراما من مضمونها الحقيقي، مؤكدة أن الفن قائم على تقديم الواقع بلغة درامية، وليس تقديم صورة دعائية للمجتمع أو للمهن المختلفة.
الحياة ليست مثالية
فيما قالت الناقدة الفنية المصرية سامية حبيب إن الدراما والفنون المرئية في الأساس تتناول حياة البشر كما هي، بما تحمله من نماذج إيجابية وسلبية، بعيدًا عن فكرة تقديم صورة مثالية للمهن أو الشخصيات.
وأضافت "حبيب" لموقع "القاهرة الإخبارية" أن الحياة نفسها تضم الجيد والسيئ، بغض النظر عن المهنة أو المكانة الاجتماعية، موضحة أن الأعمال الفنية لا تصنع واقعًا جديدًا، بل تنقل ما يحدث داخل المجتمع بلغة الفن والدراما.
وأكدت أن المطالبة بإلغاء الشخصيات السلبية من الدراما أمر غير منطقي، قائلة: "لو كانت الحياة مثالية والناس لا تخطئ، لن نحتاج إلى قوانين من الأساس؛ لأن القوانين وُجدت لمحاسبة المخالف والمسيء".
وأشارت إلى أن الفنون المرئية والمسموعة والمكتوبة عبر التاريخ ارتبطت بتقديم البشر بأخطائهم وتناقضاتهم، معتبرة أن الاعتراضات المتكررة على ظهور نماذج سلبية داخل بعض المهن أمر غريب؛ لأن الفن بطبيعته لا يقدم عالمًا مثاليًا، بل يعكس الواقع كما هو.
انعكاس طبيعي لواقع الحياة
فيما ترى الناقدة الفنية المصرية خيرية البشلاوي أن العمل الدرامي، سواء في السينما أو التلفزيون، ينبغي أن يعكس الواقع كما هو بتفاصيله وتناقضاته، لا أن يقدمه بصورة مثالية أو إيجابية بالكامل؛ لأن ذلك يُفقده المصداقية لدى المشاهد.
وتوضح "البشلاوي" لموقع "القاهرة الإخبارية" أن الواقع بطبيعته يتضمن تنوعًا بشريًا وسلوكيًا، ففي كل مهنة ومجتمع نجد الصالح ونجد الفاسد، ولا يوجد نموذج إنساني كامل أو مثالي. ومن هنا، فإن ظهور شخصيات سلبية داخل العمل الدرامي لا يُعَد إساءة للمهنة أو للمجتمع، بل هو انعكاس طبيعي لواقع الحياة.
وتؤكد أن الحكم على أي عمل درامي يجب أن ينطلق من مدى اتساقه وقدرته على بناء نسيج درامي مقنع ومترابط، وليس من وجود شخصية إيجابية أو سلبية بعينها. فالمعيار الحقيقي هو مدى صدق التجربة الفنية وقدرتها على تقديم عالم متكامل يشبه الواقع بتعقيداته، لا أن يكون عالمًا مثاليًا أو منفصلًا عن الحقيقة.