شهدت فلسطين واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري في التاريخ الحديث، عندما تحوّل مئات الآلاف من شعبها إلى لاجئين داخل وطنهم وخارجه؛ إثر الحرب التي رافقت قيام دولة إسرائيل عام 1948.
ولم تكن النكبة حدثًا عابرًا ارتبط بالحرب فقط، بل جاءت نتيجة مسار سياسي واستعماري بدأ منذ فرض الانتداب البريطاني على فلسطين، ما مهَّد لإقامة المشروع الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني وأرضه.
وعلى مدى عقود، ظلت النكبة حاضرة في الوعي الفلسطيني والعربي؛ باعتبارها قضية ترتبط بالهوية والحقوق التاريخية، وفي مقدمتها حق العودة الذي تكفله القوانين والمواثيق الدولية للاجئين الفلسطينيين، الذين هُجِّروا من مدنهم وقراهم قسرًا.
جذور النكبة
استعاد إسماعيل عطية سيد أحمد ناصر الدين (91 عامًا)، وهو أحد أبناء قرية بشيت في قضاء الرملة الذين عاصروا النكبة، تفاصيل رحلة النزوح التي عاشها، وذلك خلال مقطع مصور خاص لموقع قناة "القاهرة الإخبارية"، وذكر أن النكبة بدأت قبل عام 1948 بسنوات، مع تصاعد الهجمات البريطانية والصهيونية ضد الفلسطينيين والثوار، مستذكرًا محطات سبقت النكبة، مثل ثورة الشيخ عز الدين القسام.
الرأي نفسه تبناه الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، والذي قال إن "النكبة الفلسطينية التي مرّ عليها 78 عامًا، لم تكن حدثًا مفاجئًا ارتبط بعام 1948 فقط، بل جاءت نتيجة مسار سياسي واستعماري بدأ منذ إصدار "وعد بلفور" عام 1917، ثم فرض الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1922؛ بهدف تهيئة الأرض لإقامة المشروع الصهيوني".
أوضح الرقب، خلال حديثه لموقع قناة "القاهرة الإخبارية"، أن "بريطانيا لعبت دورًا محوريًا في تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بالتعاون مع الحركة الصهيونية، على مدار سنوات الانتداب، ما أسهم في إنشاء المستعمرات الأولى وتوسيعها تدريجيًا، وصولًا إلى بناء نواة التنظيمات العسكرية اليهودية، التي تحولت لاحقًا إلى جيش الاحتلال".
هجوم بشيت
قال ناصر الدين، المقيم حاليًا في خان يونس، إن قريته تعرضت لهجوم أول، في 30 مارس 1948، تمكن الأهالي خلاله من التصدي للمهاجمين، قبل أن تتعرض لهجوم أكبر فجر 11 مايو، حين اقتحمت القوات اليهودية القرية، بعد نفاد ذخيرة المدافعين، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 22 رجلًا وامرأة، وإحراق منازل وتهجير السكان"، مؤكدًا أن المجازر استهدفت المدنيين، خاصةً كبار السن والمرضى.
وأوضح أن عائلته ظلت داخل المنزل خلال المعارك الأولى، قبل أن تغادر إلى قرية يبنا التي استقبلت نازحين من القرى المجاورة، مثل عجور والمغار وبشيت، لافتًا إلى أن الأهالي اعتقدوا أن النزوح سيكون مؤقتًا مع دخول الجيوش العربية إلى فلسطين.
وبصوت امتزجت فيه الحسرة بالحنين، وصف ناصر الدين قريته بأنها "جنة مليئة بالخيرات"، تضم البساتين والحقول وأشجار الزيتون والحمضيات والعنب.
وذكر أن العائلات النازحة اعتمدت على مساعدات الجيش المصري للحصول على الطعام، مشيرًا إلى أن رحلة النزوح كانت قاسية وشهدت تنقل العائلة بين عدة مناطق، منها ياسور والمجدل وغزة، وصولًا إلى خان يونس، وسط نقص الغذاء والقصف المستمر.
واعتبر ناصر الدين أن حق العودة بالنسبة إليه "حق يقين"، وليس مجرد مطلب سياسي، وشدد على تمسكه بأرضه وقريته التي دفن فيها الأجداد عبر مئات السنين، مؤكدًا أن "الفلسطينيين لن يتخلوا عن أرضهم مهما طال الزمن".
حق العودة
وحول التشريعات الدولية، يؤكد أستاذ القانون الدولي، الدكتور منير نسيبة، أن "القانون يكفل حق أي لاجئ في العالم العودة إلى موطنه الأصلي"، وأن هذا الحق ينطبق أيضًا على اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجِّروا منذ نكبة عام 1948 وما بعدها.
ويرى نسيبة أن "أزمة حق العودة ليست قانونية، بل سياسية في المقام الرئيسي؛ إذ ترفض إسرائيل السماح بعودة الفلسطينيين خشية تغيير الواقع الديموغرافي في فلسطين المحتلة، بعدما قامت خلال النكبة بعمليات تهجير قسري؛ هدفت إلى تقليص الوجود الفلسطيني وإقامة أغلبية يهودية".
وأشار إلى أن القانون الدولي يعترف بحق اللاجئ الفلسطيني في العودة إلى أرضه واستعادة ممتلكاته، سواء من هُجِّر عام 1948 أو خلال موجات النزوح اللاحقة، إلا أن هذا الحق ما يزال مُعطَّلًا بسبب الرفض الإسرائيلي وغياب ضغوط دولية حقيقية لإجبار الاحتلال على تطبيقه، رغم الاعتراف به في المحافل الدولية.
نكبة مستمرة
بيّن الرقب أن عدد الفلسطينيين الذين هُجِّروا عام 1948 قُدِّرَ بنحو 700 ألف شخص، أي ما يقارب 70% من الشعب الفلسطيني آنذاك، فيما يتجاوز اليوم عدد اللاجئين وأبنائهم ممن يتمسكون بحق العودة، أكثر من 10 ملايين فلسطيني موزعين في أنحاء العالم.
ونزح جزء منهم إلى مناطق داخلية مثل غزة والضفة الغربية المحتلة والقدس، بينما لجأ آخرون إلى دول الجوار ومناطق الشتات المختلفة، على أمل العودة لاحقًا إلى ديارهم.
ولفت نسيبة إلى أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" تُقدم خدمات إنسانية للاجئين، لكن المؤسسات الدولية لم تنجح في فرض تنفيذ حق العودة على أرض الواقع، مضيفًا أن "الحروب المتعاقبة، بدءًا من نكسة 1967، وصولًا إلى الحرب الحالية على غزة، تسببت في موجات جديدة من التهجير، ما جعل قضية اللاجئين الفلسطينيين تمتد عبر أجيال متعاقبة"