"هو الزمان.. ما أقدرش أقول غير الزمان.. ياما الزمان جمع وفرق قبلنا كتير من زمان.. غريب يا زمان... ملكش أمان"
هل كان يشعر ويقرأ عمر بطيشة مستقبل فايزة أحمد مع الزمان والنجومية والشهرة والحياة والناس عندما كتب لها هذه الكلمات عام 1973 لتغنيها في حفل ربيع ذلك العام؟ ربما!
•••
وأنا أجمع مادة هذا المقال توقفت كثيرًا وبحثت طويلًا عن بعض مفردات أو كلمات أو إشارات تلخص تلك المعرفة -بين عمر بطيشة وفايزة أحمد- والتي تحولت إلى صداقة ثم تحولت الصداقة إلى عِشرة (عِشرة عمر)، وإن كان عمر المطربة فايزة أحمد -التي وُلِدت في صيدا بلبنان عام 1934- لم يطل كثيرًا في الحياة فقد ماتت عام 1983، وتركت كل ذلك للذكريات والحنين والماضي الحزين.
لكنني بعد رحلة البحث لم أجد كلمات صادقة أو معبرة أو دالة على هذه العِشرة الطيبة الجميلة بينهما سوى تلك الكلمات التي تقول:
"حبايب.. حبايب
ما يقدر علينا الزمان"
وهي الكلمات التي كتبها لها في بداية مشواره مع كتابة الأغاني.
لقد عاش واقترب الإذاعي الشهير عمر بطيشة، صاحب أحد أشهر برامج الإذاعة المصرية منذ إنشائها عام 1934 (برنامج شاهد على العصر)- من العالم الغنائي والإنساني لكروان الشرق المطربة فايزة أحمد وأصبحا (حبايب)، كما تقول كلماته "ما يقدر عليهما إلا الزمان".
في الأغنية ذائعة الصيت "غريب يا زمان"، والتي يصف فيها حالنا -أو ربما حال بعضنا- مع الزمان قائلًا:
"وكنا زمان
أعز أصحاب
وعشنا عمرنا أحباب
وآه لو بإيدنا
ما كناش بعدنا
ولا ليلة واحدة
وكنا فضلنا سوا للنهاردة
وبعد النهاردة
حبايب ما يقدر علينا الزمان"
عمر بطيشة: حكت لي أسرارها الشخصية.. وكنت وسأظل أمينًا عليها مدى الحياة
ويحكى لنا عمر بطيشة عن عِشرة العمر بينه وبين فايزة أحمد قائلًا: "كانت جدعة، وحقانية إلى أقصى حد.. وتعطف على الضعيف والمحتاج.. بل كانت تعطف على الحيوانات بشكل ملحوظ جدًا".
والذي يستمع ويركز في صوت فايزة أحمد سوف يشعر -بعيدًا عن الكلمات واللحن- أنه أمام صوت دافئ، وحنون به من الفنون ما يجعلك تشعر بإنسانيتها، وبساطتها وطيبة قلبها، وهذا هو الذي جعلها -أي بالطيبة والإنسانية والبساطة- تقف ذات يوم وتنزل من سيارتها في مدخل جراج عمارتها ولا تغادر مكانها بعدما فزعت عندما رأت عمال الجراج يضربون ( كلبة وأولادها) كانت منزوية في ركن قصي من البناية، فنزلت من سيارتها وأسرعت إليهم قائلة:
" ماذا تفعلون؟
فردوا باستخفاف شديد: "دي كلبة يا ست هانم سنلقي بها بعيدًا عن العقار"!
فقفزت مسرعة ناحية الكلبة قائلة: "حرام عليكم"، ثم اقتربت من (الكلبة وأولادها) -وكأنها تقترب من امرأة وأولادها غدر بهم الزمان- وانحنت قليلًا، وسكتت قليلًا، وهزت رأسها قليلًا، وكأنها تستمع إلى شكواها بكل اهتمام وتركيز.
وبعد دقائق صعدت إلى شقتها منهارة فوجدت عمر بطيشة يجلس مع زوجها الملحن محمد سلطان الذي سألها: "خير.. ماذا بك يا فايزة؟"، حكت لهما ما حدث من السايس وحراس العقار وكيف نجحت -بعدما دفعت لهم مبلغًا كبيرًا من المال- في إنقاذ هذه (الكلبة وأولادها) الصغار من هذه الوحشية المؤلمة.. ابتسم الاثنان -بطيشة وسلطان- ولم يعلقا فيما دخلت لحجرتها حتى تهدأ قليلًا من المشهد الذي رأته قبل قليل.. وقد هدأت بالفعل وعادت وجلست معهما تعاتب الزمان الذي يجعل الإنسان لا يرحم الحيوان.
إن هذه الروح الإنسانية الجميلة والأحاسيس الصادقة المرهفة هي التي جعلتها -بجانب طيبة قلبها- عادلة ومساندة في حقوق الناس، إذ كانت تحرص على حقوق الناس بنفس -وربما أكثر- حقوقها الشخصية. وهذا نموذج -على الأقل في الوسط الفني- نادر وجوده وحضوره، فالغالبية دائمًا تبحث عن حقوقها أولًا وقد لا تبحث عن حقوق الغير.
عن ذلك يحدثنا عمر بطيشة قائلًا: "بعدما عرفتها، وبدواعي الصداقة والعِشرة بيننا، كنت أقوم بتعديل بعض نصوص أغانيها الجديدة تطوعًا دون أي مقابل ودون حتى ذكر اسمي، وكم من أغنية مشهورة لها يسمعها الجمهور الآن قمت بعمل تعديلات جوهرية عليها.. وقتها كنت أعمل بالإذاعة ولي ديوان بالفصحى وأجهز للديوان الثاني ولم يكن من طموحاتي في ذلك العمر المبكر كتابة الأغاني".
عمر بطيشة بعدما ذاع صيته في كتابة الأغاني لعدد كبير من كبار المطربين المصريين والعرب عُيَّن رئيسًا للإذاعة المصرية وكان من أوائل القرارات التي أصدرها هو التنبيه على مديري المحطات الإذاعية بعدم إذاعة أغانيه كتمييز عن باقي الشعراء وشدد على ضرورة الالتزام بذلك، ومن يخالف هذا سيتم تحويله للشؤون القانونية، وفي هذا السياق يذكر لنا التاريخي الإذاعي أن الإذاعي الشهير محمد محمود شعبان (بابا شارو)، وكان رئيسًا للإذاعة في الفترة من 1972 وحتى 1975 قد علم من مصادره الخاصة أن الإذاعية الشهيرة صفية المهندس (زوجته) أجبرت بعض الموظفات على العمل معها في برنامجها (إلى ربات البيوت) في غير مواعيد عملهن الأصلية، فأمر بتحويلها إلى الرقابة الإدارية للتحقيق معها، وقد كان.
أما مديرو المحطات الإذاعية في عهد عمر بطيشة فقد التزموا بتعليماته، وتعامل الجميع معه -طبقًا لتعليماته- كشاعر مثل أي شاعر آخر دون أى تمييز أو تفضيل لأغانيه، لكونه أصبح رئيسًا للإذاعة.
جاء بداية التعاون العلنى بينهما في عام 1973 عندما كانت فايزة أحمد تستعد لحفل الربيع بأغنية جديدة.. وكان اللحن جاهزًا، وفي انتظار شغل الشعراء على تيمة الزمان التى كانت تريدها (كان لفريد الأطرش وقتها أغنية ذائعة الصيت اسمها "زمان يا حب")، وعندما تأخر الشعراء (كُتّاب الأغاني) في الكتابة طلبت من عمر بطيشة أن يكتب هو الأغنية وإنقاذًا للموقف بدأ بكتابة عنوانه "غريب يا زمان" وأُعجبت به جدًا.
وكانت هذه أول أغنية يكتبها لها وحفظتها بسرعة واستعدت بها لحفل الربيع، وعن هذه الأغنية يقول عمر بطيشة: قبل الحفل اشترطت أن يُكتب اسمى على الأغنية وكان وقتها -لكوني مذيعًا في الإذاعة- اسمي مرفوض تمامًا وغير مسموح بذكره، وعندما علم رئيس الإذاعة وقتها قال: "أنا معنديش مذيعين يؤلفوا أغاني"، لكن فايزة أحمد أصرت على أن يذاع اسمي على الأغنية؛ لأن هذا حقي وصعَّدت الأمر وحاولت الوصول لوزير الإعلام وقتها تشتكي له من موقف رئيس الإذاعة وعندما فشلت ذهبت إلى الشارع الذي كان يسكن فيه وزير الإعلام وكان السفير مراد غالب الذي عُيَّن ما بين 1972 وحتى أول 1973 بعد عودته من موسكو، ووقفت حتى رأت سيارته قادمة من بعيد، فانتظرت حتى اقتربت منها السيارة قليلًا وألقت بنفسها أمام إطاراتها، في مشهد مرعب وغريب وعجيب منها، فتوقفت سيارة الوزير، وأحاط بها الحرس بسرعة ونقلوها إلى داخل بيت الوزير الذي قال لها: خير.. إيه اللى حصل؟".
أخرجت من شنطتها نص الأغنية وأعطته للوزير وقالت له اقرأ يا معالي الوزير، فأمسك بالورقة وقرأ ثم قال: مالها؟، قالت: هل تعجبك هذه الكلمات؟، رد: كلمات جميلة، قالت: إذن اكتب رأيك على هذا النص واذكر رأيك الذي قلته الآن، فكتب مراد غالب فعلًا إن الأغنية جميلة، فشكرته وذهبت بالنص -عليه تأشيرة الوزير- إلى مكتب رئيس الإذاعة وألقته على مكتبه فلم يجد أمامه إلا إجازة الأغنية وإعلان اسم عمر بطيشة عليها وغنتها في الحفل على الهواء كما كان مخططًا لها.
وربما -أقول ربما- تكون هذه الأغنية أول أغنية تُغنَّى بتأشيرة وزير، وعندما قال لها قائلٌ ذات مرة: "الموضوع لم يكن يستدعي كل ذلك يا فايزة"، ردَّت بحدة: "طيب وحق عمر.. الحق حق ولازم ياخده، والذي لا أقبله لنفسي لا أقبله على غيري".
وليس على الحق فقط كانت تحرص فايزة أحمد وتكافح من أجل أصحابه، بل كانت في كل كلمة ومع كل لحن تقول رأيها بصراحة وتتدخل بوجهة نظرها لصالح العمل، وفعلت ذلك مع كبار الشعراء ومع كبار الملحنين.
يقول عمر بطيشة عن ذلك: "كانت أحيانًا تتدخل في ألحان الملحنين وكبيرهم محمد عبدالوهاب شخصيًا.. وأذكر -والكلام لعمر بطيشة- أنها كانت عنده ذات مرة يُسمعها التعديل العاشر في لحن (وقدرت تهجر) بعدما رفضت التعديل التاسع.. لكن عند التعديل العاشر (زرجن) محمد عبدالوهاب وقال لها: أنا خلاص اعتزلت التلحين على إيديكي يا فايزة"
( كانت تحكي هذه الواقعة وهي تضحك كثيرًا من قلبها)
وعن حياتها الشخصية يختم الإذاعي الشهير عمر بطيشة قوله: "كنت موضع ثقتها دائمًا وحكت لي أسرارها الشخصية جدًا (منها الحزين والمؤلم والصادم والمزعج) وأنا كنت حريصًا في حياتها وبعد مماتها على عدم فقد هذه الثقة".
إن هذه الثقة التي وضعتها فايزة أحمد في عمر بطيشة تؤكد -بصورة أو بأخرى- أنها كانت ثقة في مكانها، وفي زمانها، وفي شخصها الأمين، ويبدو أنها -بروح الفنان داخلها- كانت تعرف تقلبات الزمان، وغدر الزمان، وهجر الزمان، وأحوال الزمان؛ لذلك سبقت كل ذلك بخطوة -وربما بخطوات- عندما طلبت -وغنّت- من كلمات عمر بطيشة ولحن محمد سلطان:
"وكنا زمان أعز أصحاب
وعشنا عمرنا أحباب
وآه لو بإيدنا
ماكناش بعدنا
ولا ليلة واحدة
وكنا فضلنا سوا للنهاردة
وبعد النهاردة
حبايب حبايب
ما يقدر علينا الزمان
غريب يا زمان
إنها عِشرة العمر الجميل ما بين عمر بطيشة وفايزة أحمد، تلك العِشرة التي لم يقدر عليها، ولم يغيرها، ولم يبدلها الزمان.
حتى ولو كان غريبًا...
حقًا.."غريب يا زمان".
المصدر:
كتاب : ذكرياتى مع نجوم الأغانى - عمر بطيشة - الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2018