منذ أن أسسها الزعيم التاريخي ماو تسي تونج عام 1949، لم تكن لدى جمهورية الصين الشعبية علاقات رسمية مع الولايات المتحدة. وحتى مطلع السبعينات من القرن العشرين، تبنت واشنطن حكومة الكومينتانج المناهضة للشيوعية في جزيرة تايوان باعتبارها السلطة الشرعية الحاكمة للصين.
لكن، جاء تحول هام في الجغرافيا السياسية حفّز الرئيس السابق ريتشارد نيكسون عبر جهود قادها مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر. فقد تباعدت العلاقات بين الاتحاد السوفيتي والصين، وكان هذا الانقسام هو ما دفع إدارة نيكسون إلى مد يدها إلى بكين.
هكذا، بعد أن قام كيسنجر بزيارة سرية إلى بكين لاستطلاع إمكانية فتح العلاقات الدبلوماسية مع الزعيم ماو ورئيس الوزراء تشو إن لاي، جاءت زيارة نيكسون إلى الصين عام 1972 لتصبح واحدة من أهم الرحلات الخارجية التي قام بها رئيس أمريكي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وتلفت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن الزيارات المتتالية التي قام بها الرؤساء الأمريكيون إلى الصين عززت أهمية اللقاءات بين زعماء البلدين. من جانبهم، نظر القادة الصينيون إلى القمم كوسيلة لتهدئة التوترات، والتعبير عن مصالحهم الأساسية، وبث الأمل في تعزيز العلاقات في السنوات المقبلة. وفي الوقت نفسه، كان الرؤساء الأمريكيون يأملون أن يؤدي التكامل من خلال التجارة إلى تغيير سياسي في بكين يومًا ما.
وقبل وصوله إلى بكين، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الإنترنت أنه يعتزم أن يطلب من نظيره الصيني شي جين بينج، الذي وصفه بأنه "زعيم ذو مكانة استثنائية"، أن "يفتح" الصين، وهي لغة تعكس الطريقة التي صاغ بها الرؤساء الأمريكيون العلاقات مع الصين على مدى نصف قرن.
في عام 1979، أُقيمت العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين البلدين، إذ زار الزعيم الصيني دينج شياو بينج الولايات المتحدة في أول زيارة لزعيم صيني منذ ثورة عام 1949، وركزت جولته في واشنطن وأتلانتا وهيوستن على التحديث والتعاون الاقتصادي والانفتاح الصيني.
وبخلاف أغلب من سكنوا البيت الأبيض، لم يزر الرئيس جيمي كارتر الصين خلال فترة رئاسته، وكذلك لم يزرها الرئيس جوزيف بايدن، رغم لقائه الرئيس شي جين بينج في البيرو على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في نوفمبر 2024.
جيرالد فورد - 1975
قام الرئيس جيرالد فورد بزيارة استغرقت خمسة أيام إلى الصين في ديسمبر 1975، قبل عشرة أشهر من وفاة ماو تسي تونج.
كانت الصين آنذاك في المرحلة الأخيرة من الثورة الثقافية، وكان الحزب الشيوعي لا يزال ملتزمًا بمسار التقارب الدبلوماسي مع الولايات المتحدة عندما زار فورد الصين، ومهدت المحادثات الطريق لعلاقات طبيعية أقامها الرئيس جيمي كارتر عام 1979، رغم أن كارتر نفسه لم يزر الصين خلال فترة رئاسته.
رونالد ريجان - 1984
عندما وطأت قدم ريجان، المحارب المتحمس، أرض الصين عام 1984، لم يتحدث عن الحاجة إلى الإطاحة بالحزب الشيوعي الصيني أو تقويض سياساته، وهي لغة جسدت سياسته تجاه الاتحاد السوفيتي. فقط، زار بكين كرجل دولة عملي، دافعًا بالمناقشات حول التجارة، التي ستصبح فيما بعد محور العلاقات الأمريكية الصينية.
وذكرت "نيويورك تايمز" أن ريجان قال للصحفيين بعد زيارته إنه شعر بالارتياح إزاء "ضخ روح السوق الحرة" في الاقتصاد الصيني.
بوش الأب - 1989
عندما وصل الرئيس جورج بوش الأب إلى بكين في فبراير 1989، كان عائدًا إلى بلد أصبح يكن له محبة كبيرة. حيث تعود معرفته بالصين إلى منصبه كرئيس لمكتب الاتصال الأمريكي في بكين بين عامي 1974 و1975، ما يعني أنه كان بمثابة السفير الفعلي في فترة ما قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية.
وقد شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين زخمًا متزايدًا في الأشهر التي سبقت تلك الزيارة، لكن احتجاجات ميدان "تيانانمين" والمذبحة التي أعقبتها كانت ستزيد من تعقيد العلاقات في وقت لاحق من عام 1989.
وقبلها، قدم السفير وينستون لورد والسفارة الأمريكية للمسؤولين الصينيين قائمة بأسماء الأشخاص الذين ترغب الحكومة الأمريكية بدعوتهم إلى مأدبة العشاء الرسمية، وكان من بينهم فانج ليتشي، عالم الفيزياء الفلكية المعروف والمعارض السياسي، لكن قبل وقت قصير من المأدبة، قامت الحكومة الصينية بشطب اسم ليتشي من القائمة، واعترض المسؤولون الأمريكيون على ذلك.
وفي وقت لاحق من ذلك العام، عندما قُتل المئات أو الآلاف من المتظاهرين حول ميدان تيانانمين في 3 و4 يونيو، فر ليتشي إلى السفارة الأمريكية مع زوجته لي شوكسيان، واختبأ هناك لمدة 13 شهرًا.
بيل كلينتون - 1998
جاءت زيارة بيل كلينتون إلى الصين في عقدٍ حافلٍ بالأحداث بالنسبة للولايات المتحدة في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي، عندما بدت أمريكا -ونظامها السياسي والاقتصادي- وكأنها لا تُنازع في العالم.
كانت هذه "نهاية التاريخ"، كما كتب عالم السياسة فرانسيس فوكوياما، وبدا للمسؤولين الأمريكيين أن الصين تتبنى المسار الحتمي للنظام العالمي. وقتها، أظهر الزعيم الصيني جيانج زيمين قابلية للانخراط.
فقد حاول التحدث باللغة الإنجليزية في بعض المناسبات العامة، بل إنه اقتبس بعض أبيات من "خطاب جيتيسبيرج" -أحد أكثر الخطابات شهرة في التاريخ الأمريكي- في مقابلة مع شبكة CBS News.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن أورفيل شيل، الباحث في الشؤون الصينية: "كان ذلك التفاعل الأكثر تميزًا الذي شهدته بين القادة الصينيين والأمريكيين. كان كلينتون يتبادل المزاح مع جيانج، وكان من الواضح أنهما يستمتعان بصحبة بعضهما البعض".
بوش الابن - (2001، 2002، 2005، 2008)
كان الرئيس بوش الابن حاضرًا في مدرجات بكين لحضور حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2008، وهي لحظة رمزية للغاية فسرها الكثيرون على أنها حفل "ظهور" للصين على الساحة العالمية.
كانت هذه زيارته الرابعة في عصر العولمة، عندما كان الاقتصاد الصيني يشهد ازدهارًا بعد انضمامه إلى منظمة التجارة العالمية، لكن الزيارة جاءت عشية الأزمة المالية العالمية.
وقد أدى ذلك، بالإضافة إلى حرب العراق، إلى تنامي اعتقاد المسؤولين الصينيين، بمن فيهم هو جين تاو، سكرتير الحزب والرئيس، بأن الولايات المتحدة وحلفاءها قد ضلوا طريقهم.
وفي نظرهم، بدا صعود الصين حتميًا في مقابل أنظمة الدول الغربية التي بدت متدهورة وجوفاء. ووفق ما نقلت الصحيفة عن جون ديلوري، مؤرخ شؤون شرق آسيا: "أصبح من الشائع الآن أن يركز الناس على عام 2008 باعتباره نقطة تحول. كان لدى الصينيين آنذاك شعور بالثقة اعتبره الأمريكيون غرورًا".
باراك أوباما - (2009، 2014، 2016)
جاءت زيارة أوباما الأولى عام 2009، في ظل الأزمة المالية العالمية التي تفاقمت نتيجةً لإخفاقات المؤسسات المالية الأمريكية. وبينما كان أوباما يسعى جاهدًا لانتشال بلاده من أزمتها، واصل الاقتصاد الصيني نموه المتسارع بفضل سياسات التحفيز الاقتصادي.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن إيفان ميديروس، المدير السابق لشؤون آسيا في مجلس الأمن القومي في عهد أوباما: "سعينا لإيجاد توازن جديد بين مجالي التنافس والتعاون، إذ كان العالم بحاجة إلى المساهمة بشكل أكبر في المنافع العامة العالمية، وكان يرغب في ذلك".
وأضاف: "لم تكن الصين مترددة فحسب، بل كانت تريد الحصول على مقابل لكل ما تفعله، الأمر الذي كان يثير إحباطنا الدائم".
ثم زار أوباما بكين مجددًا عام 2014 لحضور قمة اقتصادية للدول الآسيوية، والتقى نظيره شي جين بينج لإجراء محادثات ثنائية ومأدبة عشاء رسمية. وبحلول ذلك الوقت، كانت العلاقات قد تدهورت بعد أن انخرطت الصين أكثر في أنشطتها العسكرية في البحار المحيطة، مما أثار غضب دول آسيوية أخرى، كما انخرطت في عمليات تجسس إلكتروني ضد الولايات المتحدة وقوى غربية.
وفي زيارته الأخيرة عام 2016، هبطت طائرة أوباما في هانجتشو، لكنه اضطر للخروج من مؤخرة الطائرة بعد أن فشل العمال الصينيون في نقل سلم إلى مقدمة الطائرة. ورغم أن السبب قد يكون عطلًا فنيًا، فقد فسر العديد من المراقبين ذلك على أنه تجاهل من الصين ورمز لتنامي نفوذها.
دونالد ترامب - 2017
خلال حملته الانتخابية الأولى عام 2016، انتقد ترامب الصين، ولا سيما ممارساتها التجارية. وفي الوقت نفسه، كان السياسيون الأمريكيون يتحدثون بقوة أكبر عن مساوئ الاقتصاد المعولم.
وتشير "نيويورك تايمز" إلى أن زيارة ترامب جاءت في ظل هذه الخلفية "رغبة في وضع حدود للعولمة وإعادة توجيه بعض الصناعات الأمريكية بعيدًا عن الصين".
وخلال الرحلة، أشاد ترامب بشي بحرارة، قائلًا للزعيم الصيني: "أنت رجل مميز للغاية". سار الزوجان الرئاسيان معًا عبر المدينة المحرمة الخالية، وأعلن الزعيمان عن عدد من اتفاقيات التجارة والاستثمار.
لكن -وفق التقرير- كان ترامب يخفي نوايا أخرى، فبعد الرحلة بفترة وجيزة، في يناير 2018، شنّ حربًا تجارية مع الصين. وقد استغرقت هذه الحرب معظم فترة ولايته الأولى، إلى جانب جائحة كورونا التي يقول العديد من الخبراء إنها نشأت في الصين.
ثم أصبحت العلاقات مع الصين أكثر توترًا، رغم أن ترامب تجنب الحديث عن الديمقراطية، الأمر الذي أسعد القادة الصينيين. وكان ذلك تحولًا عن عقود من السياسة الأمريكية تجاه الصين، وهو تحول جعله ترامب أكثر وضوحًا في ولايته الثانية.