وسّعت روسيا قدراتها الصناعية في مجال الطائرات المُسيّرة عبر تطوير مجمع "ألابوجا" الصناعي في جمهورية تتارستان، وسط تقديرات غربية تشير إلى أنه بات أكبر مصنع للطائرات بدون طيار في العالم، في خطوة تعكس اعتماد موسكو المتزايد على المُسيّرات خلال الحرب الروسية الأوكرانية، بينما أظهرت صور أقمار صناعية أعمال توسع كبيرة داخل المجمع، شملت منشآت إنتاج جديدة، ومناطق تخزين، وبنية تحتية إضافية مرتبطة بالصناعة العسكرية الروسية.
وكشفت تحليلات استخباراتية وتقارير غربية أن أعمال التوسعة الأخيرة أضافت نحو 340 هكتارًا إلى مساحة المصنع خلال العام الماضي، إضافة إلى إنشاء منطقة صناعية جديدة جنوب الطريق الفيدرالي "إم-12"، بينما قالت تقارير إن المجمع يشهد عمليات بناء متواصلة تستهدف زيادة إنتاج الطائرات الانتحارية بعيدة المدى المستخدمة بكثافة في الهجمات ضد أوكرانيا، بحسب صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية.
إنتاج متسارع
واعتمدت روسيا بصورة متزايدة على الطائرات المُسيّرة منذ تصاعد الحرب الروسية الأوكرانية، إذ أصبحت المُسيّرات الهجومية عنصرًا أساسيًا في الضربات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة والمطارات والمواقع العسكرية الأوكرانية.
وتشير تقديرات غربية إلى أن موسكو تسعى لإنتاج عشرات الآلاف من الطائرات بدون طيار سنويًا؛ بهدف تعويض خسائر الذخائر التقليدية وتقليل كُلفة العمليات العسكرية طويلة الأمد، في الوقت نفسه تحدثت تقارير عن تشغيل خطوط الإنتاج داخل "ألابوجا" على مدار الساعة لتلبية احتياجات الجبهة.
وأشار محللون عسكريون إلى أن روسيا باتت تعتمد على إستراتيجية "الإغراق العددي" باستخدام المُسيّرات منخفضة التكلفة، إذ تسمح تلك السياسة بشن هجمات متكررة ومتزامنة لإرباك الدفاعات الجوية الأوكرانية واستنزاف مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية مرتفعة الثمن، إضافة إلى ذلك يرى خبراء أن الطائرات المُسيّرة منحت موسكو قدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى بكلفة أقل مقارنة بالصواريخ التقليدية.
قال أولكسندر سيرسكي، القائد الأعلى للقوات الأوكرانية، في يناير، إن روسيا تخطط لمضاعفة إنتاج "الطائرات الانتحارية بدون طيار" إلى ما يصل إلى 1000 طائرة يوميًا.
تعاون إيراني
واعتمدت موسكو في المراحل الأولى من الحرب على استيراد طائرات "شاهد" الإيرانية، قبل الانتقال تدريجيًا إلى التصنيع المحلي داخل مجمع "ألابوجا"، إذ قالت تقارير غربية إن إيران نقلت تكنولوجيا التصنيع والخبرات الفنية اللازمة لإقامة خطوط إنتاج كاملة داخل روسيا، بينما عمل مهندسون روس لاحقًا على تطوير نسخ معدلة تضمنت تحسينات في أنظمة الملاحة والرؤوس المتفجرة والمكونات الإلكترونية.
وفي الوقت نفسه، أشارت مراكز أبحاث غربية إلى أن التعاون الروسي الإيراني في مجال المُسيّرات تطور بصورة ملحوظة منذ عام 2023، إذ لم يعد يقتصر على توريد الطائرات الجاهزة فقط، بل امتد إلى تبادل الخبرات الصناعية والتقنيات المتعلقة بالحرب الإلكترونية وأنظمة التوجيه، إضافة إلى ذلك تحدثت تقارير عن تطوير نماذج روسية جديدة قادرة على تنفيذ هجمات جماعية منسقة باستخدام الذكاء الاصطناعي لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي.
قال مسؤولون أمريكيون لصحيفة نيويورك تايمز، إن الكرملين كان يشحن مكونات الطائرات المُسيّرة إلى إيران عبر بحر قزوين للمساعدة في إعادة بناء القدرات العسكرية لطهران خلال وقف إطلاق النار الحالي، إلى جانب ذلك ذكرت مجلة الإيكونوميست أن الكرملين اقترح إرسال 5000 طائرة بدون طيار قصيرة المدى غير قابلة للتشويش، وعدد غير معلن من طائرات بدون طيار فضائية طويلة المدى، بالإضافة إلى التدريب على استخدام كليهما.
اقتصاد حربي
وسرعان ما ارتبط توسع إنتاج المُسيّرات بالتحول الواسع الذي يشهده الاقتصاد الروسي نحو نموذج "اقتصاد الحرب"، إذ زادت موسكو استثماراتها في الصناعات العسكرية والإلكترونية منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، بينما رفعت الحكومة الروسية حجم الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، في الأثناء أظهرت بيانات روسية توسع خطوط إنتاج الذخائر والطائرات بدون طيار وأنظمة الحرب الإلكترونية بشكل كبير خلال العامين الماضيين.
وأوضح محللون أن روسيا تسعى، من خلال التوسع الصناعي العسكري، إلى ضمان قدرتها على خوض حرب طويلة الأمد، خاصةً مع استمرار العقوبات الغربية ومحاولات الحد من وصول موسكو إلى التكنولوجيا المتقدمة، بينما تعمل السلطات الروسية على تعزيز الاعتماد على المكونات المحلية وتقليل الحاجة إلى الواردات الأجنبية، إضافة إلى ذلك كثفت موسكو تعاونها مع دول خارج المعسكر الغربي لتأمين الإمدادات التقنية والمواد الخام اللازمة للصناعات الدفاعية.
بدأت الشركة الإنتاج المحلي لنسخة معدلة من طائرة كاميكازي بدون طيار، تسمى جيران-2، اعتبارًا من يوليو 2023، وهي الآن تصنع من 90 إلى 95 بالمائة من الطائرات بدون طيار في روسيا، إلى حد كبير في منطقة ألابوجا الاقتصادية الخاصة، التي تقع على بعد حوالي 600 ميل شرق موسكو، في منطقة تتارستان.
تم تحويل المنشأة، التي صُممت في الأصل لجذب الاستثمارات الغربية، إلى مركز إنتاج عسكري بعد فترة وجيزة من الغزو الشامل لأوكرانيا في عام 2022. ويبلغ عمر العاملين فيها 15 عامًا.
هجمات متبادلة
واستهدفت أوكرانيا، خلال الأشهر الماضية، منشآت روسية مرتبطة بإنتاج المُسيّرات ومخازن الوقود والبنية الصناعية العسكرية داخل العمق الروسي، إذ كثفت كييف استخدام الطائرات بدون طيار بعيدة المدى لضرب سلاسل الإنتاج والإمداد الروسية، بينما قالت تقارير إن بعض الهجمات الأوكرانية استهدفت مواقع في تتارستان ومناطق صناعية مرتبطة ببرامج التسليح الروسية.
وفي المقابل، واصلت روسيا توسيع استخدام المُسيّرات في الهجمات الليلية ضد المدن الأوكرانية، خاصة في كييف وأوديسا وخاركيف، في الوقت نفسه يرى خبراء عسكريون أن الحرب الروسية الأوكرانية تحولت تدريجيًا إلى ساحة اختبار واسعة لتكنولوجيا الطائرات بدون طيار، مع اعتماد الطرفين بصورة متزايدة على المُسيّرات في الاستطلاع والهجمات والانتحارية والحرب الإلكترونية، إضافة إلى ذلك اعتبر محللون أن استمرار موسكو في توسيع مصانع المُسيّرات يعكس استعدادها لخوض صراع طويل يعتمد على الإنتاج الصناعي الكثيف والتكنولوجيا منخفضة الكلفة.
تتعرض مصانع ألابوجا لهجمات متكررة من أوكرانيا. وبحلول فبراير، تم بناء ما لا يقل عن 19 برجًا للدفاع الجوي حول المنطقة. ويُعتقد أنها مُجهزة بمنظومات صواريخ أرض-جو من طراز بانتسير ومدافع رشاشة ثقيلة، وفقًا لراديو سفوبودا.