في توقيت تتسارع فيه التحولات الإقليمية وتتصاعد فيه معارك الرواية والوعي، تبرز أهمية مشروع السردية الأردنية في صدارة المشهد؛ إذ لم يعد توثيق التاريخ خيارًا ثقافيًا فحسب، بل ضرورة وطنية لحماية الذاكرة الجمعية وتعزيز الهوية في مواجهة التحديات، وتقديم رواية أردنية متماسكة تنطلق من الداخل وتخاطب العالم.
يكثف الأردن حاليًا سلسلة محاضرات وندوات حوارية ضِمن برنامج "حوارات"، المنبثق عن مشروع السردية الأردنية، في مختلف محافظات المملكة، بهدف توثيق تاريخ الأرض والإنسان، وتعزيز الهوية الوطنية.
ويأتي تكثيف هذه الفعاليات خلال العام الجاري 2026 استجابةً لرؤية ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، التي تؤكد أهمية تدوين التاريخ الوطني بأسلوب عصري، وإشراك المجتمع في صياغته.
وتركز الندوات، التي تجوب المحافظات الأردنية من الشمال وحتى الجنوب مثل الطفيلة والزرقاء وإربد والبلقاء وجرش، على محاور رئيسية تشمل توثيق حكاية الأرض والإنسان عبر مسار زمني يمتد لأكثر من مليوني ونصف المليون عام، إلى جانب ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء، وإبراز خصوصية كل محافظة ودورها في بناء الرواية الوطنية، فضلًا عن توثيق الذاكرة الشفوية والعادات والتقاليد، وتسليط الضوء على الإرث الحضاري الذي مرّ على الأردن وتفاعل الإنسان الأردني معه.
كما يركز المشروع على اعتماد منهجية توثيق علمية تُنتج مرجعًا وطنيًا للأجيال القادمة، بالتوازي مع إطلاق منصة رقمية تفاعلية تتيح للمواطنين الأردنيين المشاركة في توثيق السردية من خلال مشاركة قصصهم وتجاربهم، بما يعزز البعد التشاركي ويمنح الرواية طابعًا أكثر شمولًا.
وعلى الرغم من أن النقاشات حول الهوية الوطنية الأردنية رافقت مسيرة الدولة منذ تأسيسها، فإن بلورة مصطلح “السردية الأردنية” كمشروع وطني مؤسسي يُعَد تطورًا حديثًا، يعكس انتقال هذا النقاش من الإطار الفكري إلى مسار عملي ومنهجي يسعى إلى توحيد الرواية الوطنية وتوثيقها في لحظة تاريخية تتطلب وضوحًا في الهوية وثباتًا في الوعي.