رفع قادة أفارقة في اليوم الثاني من قمة "إفريقيا إلى الأمام"، المنعقدة في العاصمة الكينية نيروبي، سقف مطالبهم بإصلاح جذري لمنظومة الائتمان الدولي، فيما يراهن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هذا الحدث غير المسبوق؛ لإعادة رسم خريطة العلاقات بين باريس والقارة السمراء، في لحظة تتآكل فيها الهيمنة الفرنسية التقليدية على مستعمراتها السابقة.
جوهر الأزمة
نقلت شبكة فرانس 24 عن الرئيس الكيني وليام روتو، تلخيصه جوهر الأزمة في جملة واحدة: "المسألة ليست في السيولة، بل في بنية المخاطر"، وهي عبارة كثّفت شكوى أفريقية متراكمة من مؤسسات التصنيف الائتماني الكبرى.
ويرى القادة الأفارقة أن وكالات من أمثال ستاندرد آند بورز وموديز وفيتش تُضخِّم مستوى المخاطر المرتبطة بدولهم بصورة مجحفة، مما يجعل الاقتراض مُكلفًا، ما يُعيق النمو الاقتصادي ويُعطّل تمويل مشروعات البنية التحتية الكبرى، غير أن هذه الوكالات ترفض، بحسب وكالة رويترز، هذه الاتهامات جملةً وتفصيلًا، مؤكدة أن تقييماتها تستند إلى معايير موضوعية موحدة ومُعلنة.
وفي هذا السياق، طُرِحَت مقترحات عدة تناقلتها أروقة القمة، أبرزها هو تعديل مناهج التصنيف الائتماني، وإنشاء وكالة تصنيف إفريقية مستقلة، تُعطي تقييمات أكثر إنصافًا للقارة، فضلًا عن مطالبة الدول الغنية بإرساء آلية دولية لإعادة تمويل ديون الدول الأشد مديونية.
رهان ماكرون
في مسعى لترجمة الخطاب السياسي إلى وقائع ملموسة، أعلن ماكرون أن القمة نجحت في تعبئة استثمارات بلغت 23 مليار يورو لصالح إفريقيا، واصفًا ذلك دليلًا على التزام بلاده ببناء شراكة قائمة على الندية لا الوصاية.
وكشفت شبكة "فرانس 24" أن الرئيس الفرنسي أعلن دعمه لإنشاء آلية لضمان الخسائر الأولى في الاستثمارات الموجهة للقارة؛ بهدف استقطاب رؤوس الأموال الخاصة وتعزيز تدفق التمويل نحوها، ولم يتوقف ماكرون عند هذا الحد، إذ دعا نظيره الكيني روتو لحضور قمة مجموعة السبع المقررة في "إيفيان ليه بان" الفرنسية، منتصف يونيو المقبل، قائلًا: "سنذهب معًا إلى إيفيان لإقناع مجموعة السبع بتبنّي هذه الآلية"، فيما أبدى روتو أمله في أن تُشكِّل مخرجات نيروبي رصيدًا من المقترحات يحملها إلى طاولة السبع الكبار.
رسالة باريس
لا تخلو رمزية انعقاد هذه القمة في نيروبي من دلالة عميقة، فهي المرة الأولى التي تُقام فيها القمة في دولة إفريقية ناطقة بالإنجليزية، وهو ما رأت فيه "فرانس 24" إشارة واضحة إلى رغبة باريس في تجاوز حدود نفوذها التاريخي المرتبط بمستعمراتها الفرانكوفونية.
وتكتسب هذه الخطوة ثقلها في ظل تراجع حاد للحضور الفرنسي في غرب إفريقيا، حيث طردت حكومات عدة القوات الفرنسية وقلّصت علاقاتها الاقتصادية مع باريس، في موجة استقلالية باتت تُقلق الإليزيه وتدفعه إلى البحث عن موطئ قدم جديد في القارة.
وضمّت القمة، التي تستمر يومين، أكثر من ثلاثين رئيسًا ونائب رئيس ورئيس حكومة إفريقيًا، إلى جانب قيادات المؤسسات المالية متعددة الأطراف ورجال الأعمال من الجانبين، في مشهد يُجسِّد الطموح الفرنسي لاستعادة الحضور عبر بوابة الاقتصاد والاستثمار، بعد أن أُغلِقَت أمامه أبواب العسكر.