لم تكد نتائج الانتخابات المحلية البريطانية تكتمل، حتى بدا واضحًا أن حزب العمال يواجه أسوأ لياليه منذ عقود؛ خسائر فادحة من الشمال إلى الجنوب، وأصوات غاضبة من داخل الحزب نفسه تطالب كير ستارمر بتحديد موعد رحيله، في هذا الصدد، رصدت صحيفة ذا جارديان البريطانية تفاصيل ليلة قيل فيها إن السياسة البريطانية لن تعود كما كانت.
خريطة الانهيار
كشفت ذا جارديان أن حزب العمال فقد السيطرة على أكثر من 25 مجلسًا محليًا وأكثر من ألف مقعد في إنجلترا دفعةً واحدة، ذهب معظمها إلى حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج الذي اجتاح مناطق المدلاندز والشمال، ثم امتد جنوبًا لينتزع مقاعد من حزب المحافظين أيضًا.
وفي ويلز، حيث هيمن العمال على المشهد السياسي لأكثر من قرن، تحولت الهزيمة إلى كارثة حقيقية، إذ خسرت إيلونيد مورجان، رئيسة الوزراء الويلزية وأول امرأة تتولى هذا المنصب، مقعدها البرلماني شخصيًا، وبات الحزب على وشك السقوط إلى المركز الثالث خلف الحزب القومي الإسكتلندي والإصلاح في إسكتلندا.
أما في لندن، فقد أسقطت موجة الخضر مجالس كانت معاقل تاريخية للعمال، من أبرزها هاكني ووالثام فورست، فيما حذر صادق خان، عمدة لندن، في تصريحات نقلتها الصحيفة، من أن الحزب يسير نحو مصير مشابه لانهياره في إسكتلندا، قائلًا إن "التهديد وجودي" ما لم يتغير المسار.
برلمانيون يكسرون الصمت
لم تنتظر قيادات الحزب إعلان النتائج كاملةً لترفع أصواتها، إذ كانت لويز هايج، الوزيرة السابقة ورئيسة مجموعة تريبيون النيابية النافذة، أول من كسر الصمت، مؤكدةً للصحيفة البريطانية أن ستارمر لا يمكنه قيادة الحزب في أي انتخابات مقبلة ما لم يُحدث تغييرًا جوهريًا وعاجلًا.
وسرعان ما تحول الموقف الفردي إلى موجة، إذ نقلت الصحيفة عن سارة أوين، رئيسة لجنة المرأة والمساواة، قولها إن رئيس الوزراء يفتقر إلى التواصل الإنساني الحقيقي مع الناخبين.
وذهبت أنيليز ميدجلي، نائبة منطقة نوزلي، إلى أبعد من ذلك، واصفةً النتائج في الشمال بأنها "تجاوزت أسوأ التوقعات"، فيما طالب سيمون أوفر، نائب ستراود، صراحةً بتغيير الزعيم، معلنًا في تصريحه للصحيفة: "المسألة لم تعد إن كان سيرحل، بل متى". وبحلول مساء الجمعة، كان عشرة نواب إضافيون قد انضموا علنًا إلى المطالبين بتحديد موعد للرحيل، فيما أوضح أحد النواب البارزين لذا جارديان أن المطلوب هو "رحيل كريم"، باستضافة مؤتمر الحزب في الخريف ثم الإشراف على انتخابات الزعامة مباشرةً بعده.
ستارمر يرفض الرحيل
في مواجهة هذا السيل من الانتقادات، أعلن ستارمر تمسكه بمنصبه، رافضًا ما وصفه بـ"إغراق الحزب في الفوضى"، غير أنه أقرّ بأن الناخبين يشعرون بالإحباط من بطء التغيير.
وكتب في ذا جارديان مؤكدًا أن الاستجابة للناخبين لا تعني "الانجراف يمينًا أو يسارًا".
وأشارت مصادر في داوننج ستريت للصحيفة البريطانية إلى أن ستارمر سيُلقي خطابًا مهمًا، الأسبوع المقبل، يرسم فيه رؤية أكثر تفاؤلًا، فيما سيتضمن خطاب الملك، الأربعاء، إعلانات سياسية دون أي تعديل وزاري.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، تحدث وزراء بارزون دفاعًا عن ستارمر، إذ قال وزير الإسكان ستيف ريد إن "الشعب البريطاني لا يريد سماع جداول زمنية وصفقات خلفية"، فيما أضاف وزير الأعمال بيتر كايل أن التعافي يتطلب "جهدًا جماعيًا لا إلقاء اللوم على الزعيم".، عير أن عددًا من الوزراء اعترفوا لذا جارديان سرًا بأنهم لا يتوقعون أن يقود ستارمر الحزب في الانتخابات المقبلة، وأن "علامته الشخصية باتت متهالكة يصعب استعادتها".
الإصلاح والخضر يُعيدون رسم المشهد
على الضفة الأخرى، احتفل زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج بما سماه "تحولًا تاريخيًا حقيقيًا في السياسة البريطانية"، بعد أن اقتحم حزبه معاقل المحافظين التقليدية، بما فيها إسيكس التي تمثلها زعيمة المحافظين كيمي بادنوك، والتي ظلت في قبضة حزبها خمسةً وعشرين عامًا.
في المقابل، صعد حزب الخضر بقوة لافتة، فاز بأول عمدتَين منتخبَين مباشرةً في هاكني ولويشام، وسيطر على ثلاثة مجالس، فيما أعلن زعيمه زاك بولانسكي أن السياسة البريطانية ذات القطبين "ماتت ودُفنت". أما حزب المحافظين، فرغم نزيفه الحاد أمام الإصلاح والليبراليين الديمقراطيين في الجنوب، إلا أنه أعاد السيطرة على مجلس وستمنستر في قلب لندن، وهو ما عدته بادنوك مؤشرًا على أن حزبها "في طريق العودة".