يتجه الملايين من سكان إنجلترا وأسكتلندا وويلز إلى صناديق الاقتراع، اليوم الخميس، في أكبر اختبار شعبي تشهده المملكة المتحدة منذ الانتخابات العامة عام 2024.
وتكتسب هذه الانتخابات ثقلًا استثنائيًا، إذ باتت تُقرأ على نطاق واسع بوصفها استفتاءً شعبيًا على أداء رئيس الوزراء كير ستارمر وحكومة حزب العمال، وسط تراجع حاد في شعبيته وتصاعد الضغوط داخل صفوف حزبه، وفقًا لما رصدته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" وشبكة "بي بي إس" الأمريكية.
خريطة انتخابية متشعبة
أشارت "بي بي سي" إلى أن مراكز الاقتراع تفتح أبوابها بين السابعة صباحًا والعاشرة مساءً بالتوقيت البريطاني، على أن تتوالى النتائج يوم الجمعة وخلال عطلة نهاية الأسبوع، وتشمل الانتخابات في أسكتلندا إعادة انتخاب جميع أعضاء البرلمان الـ129، حيث يسعى حزب SNP الحاكم إلى الإمساك بزمام الحكم لولاية خامسة متتالية في قطاعات محورية كالصحة والتعليم.
أما في ويلز، فتتنافس الأحزاب على 92 مقعدًا في برلمان السينيد الموسع، إذ يُشكل الفوز بأكبر عدد من المقاعد تذكرة دخول إلى رئاسة الحكومة الويلزية.
وعلى امتداد إنجلترا، يُطرح نحو خمسة آلاف مقعد في 136 هيئة محلية وستة مناصب لرؤساء البلديات، مع اشتراط إبراز صورة هوية سارية للتصويت حضوريًا، وهو شرط لا يسري في أسكتلندا وويلز.
ستارمر على المحك
نقلت شبكة "بي بي إس" الأمريكية عن المحلل لوك تريل من مركز "مور إن كومون" للاستطلاعات قوله إن ستارمر "بات وعاءً لخيبات أمل الناس وإحباطاتهم"، بعد أقل من عامين على الفوز التاريخي لحزب العمال.
وتُرجِّح توقعات المحللين خسارة الحزب لأكثر من نصف المقاعد الـ2500 التي يدافع عنها في المجالس المحلية الإنجليزية، لا سيما لصالح حزب الإصلاح في معاقل الطبقة العاملة شمال إنجلترا، وحزب الخضر في لندن.
وثقلت على ستارمر جملة من الأزمات، في مقدمتها تعيينه بيتر ماندلسون، المقرب من جيفري إبستين، سفيرًا لبلاده في واشنطن، فضلًا عن عجز حكومته عن تحقيق النمو الاقتصادي الموعود أو تخفيف وطأة تكاليف المعيشة، في ظل ضغوط اقتصادية تفاقمت بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي أربكت إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.
شبح إقالة القيادة
رصدت الشبكة الأمريكية أن هزيمة انتخابية كاسحة قد تُشعل فتيل تمرد داخل حزب العمال، إذ قد يُسارع منافسون بارزون إلى تحدي زعامة ستارمر، من بينهم وزير الصحة ويس ستريتينج، ونائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا رينر، وعمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام.
وللإطاحة بالزعيم، يشترط النظام الداخلي للحزب حصول أي متحدٍ على تأييد 80 عضوًا برلمانيًا، فيما نجا ستارمر في فبراير الماضي من أزمة مماثلة حين طالبه بعض نوابه بالاستقالة.
غير أن البروفيسور تيم بيل، من جامعة كوين ماري في لندن، أشار إلى أن كتلة الحزب البرلمانية "غير متيقنة من توقيت إقالته"، مضيفًا بوضوح: "الأمر مسألة وقت لا أكثر".
تشظي المشهد السياسي
وصف البروفيسور توني ترافرز من كلية لندن للاقتصاد، في تصريحات نقلتها "بي بي إس" المشهد البريطاني الراهن بأنه ينتقل من "نظام ثنائي مع طرف ثالث" إلى "نظام يقارب خمسة أحزاب متنافسة"، فبينما يرزح المحافظون تحت وطأة إرثهم الثقيل بعد 14 عامًا في الحكم، يواصل حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج صعوده، رغم تساؤلات تحوم حول تبرع بخمسة ملايين جنيه إسترليني من ملياردير عملات رقمية لم يُفصح عنه عام 2024.
كذلك يواجه حزب الخضر بقيادة زاك بولانسكي انتقادات بعد فصل عدد من مرشحيه بسبب منشورات معادية للسامية، فيما يراهن الديمقراطيون الأحرار بزعامة إد دافي على دورهم حائلًا أمام مد الإصلاح في مقاطعات إنجلترا، بحسب ما رصدته "بي بي سي".
مشروعات استقلالية
تقف ويلز على مفترق طرق تاريخي، فبعد أن ظل حزب العمال يُحكم قبضته على المشهد السياسي الويلزي منذ نشأة الحكومة المفوضة عام 1999، تكشف استطلاعات الرأي اليوم أن تلك الهيمنة باتت على المحك، إذ إن حزب "بلايد كيمرو" القومي الويلزي بزعامة رون آب يورويث يُهدد بقلب الموازين رأسًا على عقب، في سباق ثلاثي محتدم مع العمال وحزب الإصلاح، يرى فيه المراقبون بداية حقبة سياسية مختلفة تمامًا في قلب المملكة المتحدة.
ويطالب آب يورويث بصلاحيات ضريبية موسعة وسيطرة أكبر على الإنفاق، مُعلنًا أن "السياسة القديمة ولت".
في المقابل، يتطلع حزب SNP في أسكتلندا إلى انتزاع تفويض يُمكنه من المطالبة باستفتاء استقلالي ثانٍ، بعد أن رفض الأسكتلنديون الانفصال عام 2014.
وإذا تحولت هذه التوقعات إلى واقع، فستجد المملكة المتحدة نفسها أمام ثلاثة من أصل أربعة أجزاء تقودها قوى ذات توجهات استقلالية، في مشهد يُنذر بمرحلة إعادة تعريف عميقة لهويتها السياسية.