لم تعد العلاقة المصرية الفرنسية مجرد شراكة دبلوماسية تقليدية، بل باتت تشكل ملامح تحالف إستراتيجي واقعي تفرضه تحولات جيوسياسية عميقة تعصف بالمنطقة من غزة إلى البحر الأحمر، هذا ما تراه د. منال خليفة، الباحثة والمحللة السياسية وعضو حزب النهضة الرئاسي، التي تقرأ في زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة رسالةً أبعد من البروتوكول، وأعمق من الاستثمار.
كيف ترين الشراكة المصرية الفرنسية في ضوء التحولات الإقليمية الراهنة، هل هي تحالف إستراتيجي حقيقي أم تقارب ظرفي تمليه المصالح المشتركة؟
أعتقد أن توصيف العلاقة المصرية الفرنسية اليوم لم يعد يندرج فقط ضِمن إطار "الشراكة التقليدية" بين دولة متوسطية كبرى ودولة أوروبية مؤثرة، بل نحن أمام مسار يتجه تدريجيًا نحو صيغة أقرب إلى التحالف الإستراتيجي الواقعي، حتى وإن كان هذا التحالف لا يُعلن بالمعنى الكلاسيكي للكلمة.
السبب الأساسي يعود إلى أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل توازنات عميقة، وهي الحرب في غزة، التوتر في البحر الأحمر، التحولات في شرق المتوسط، التنافس الدولي على الطاقة، وأيضًا التراجع النسبي للدور الأمريكي المباشر في بعض ملفات المنطقة.
في هذا السياق، أصبحت فرنسا بحاجة إلى شركاء إقليميين يمتلكون ثباتًا مؤسساتيًا وقدرة على لعب دور توازن، ومصر تمثل بالنسبة لباريس أحد أهم هذه المراكز.
في المقابل، القاهرة تنظر إلى فرنسا باعتبارها شريكًا أوروبيًا مختلفًا نسبيًا عن بعض القوى الغربية الأخرى؛ لأنها تحاول الحفاظ على هامش استقلالية في مقاربتها للشرق الأوسط، وخصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ورفض الانزلاق الكامل خلف منطق الاستقطاب الحاد.
لكن ما الذي يُميّز هذه العلاقة عن غيرها من الشراكات الأوروبية العربية؟
ما يُميّز هذه العلاقة اليوم ليس فقط المصالح الاقتصادية أو العسكرية، بل وجود تقاطع في مفهوم "استقرار الدولة الوطنية"، إذ إن كلًا من القاهرة وباريس تنظران بقلق إلى سيناريوهات الفوضى الإقليمية، وصعود القوى غير الوطنية، وتآكل المؤسسات في عدد من دول المنطقة، لذلك هناك نوع من التفاهم العميق حول أولوية حماية الدولة ومؤسساتها قبل أي اعتبارات أيديولوجية.
ومع ذلك، من المهم القول إن هذا التحالف ليس خاليًا من التباينات، إذ إن هناك اختلافات أحيانًا في مقاربة بعض الملفات أو في طريقة إدارة بعض الأزمات الإقليمية، لكن ما يطغى حاليًا هو منطق البراجماتية السياسية والمصالح الإستراتيجية بعيدة المدى.
كيف تقيمين الاستثمارات الفرنسية المرتقبة في قطاعات النقل والطاقة والصناعة المصرية وانعكاساتها على مسار العلاقات بين البلدين؟
هذه الاستثمارات تتجاوز في أهميتها البعد الاقتصادي المباشر؛ لأنها تحمل رسائل سياسية وجيوسياسية واضحة في توقيت شديد الحساسية، وعندما تقرر فرنسا ضخ استثمارات بهذا الحجم في مصر، فهي عمليًا تراهن على استقرار الدولة المصرية وعلى موقعها المحوري في مستقبل المنطقة، كما أن المستثمر الفرنسي اليوم لا يتحرك فقط بمنطق الربح التقليدي، بل أيضًا بمنطق التموضع الإستراتيجي داخل منطقة تشهد تحولات اقتصادية ضخمة مرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد والممرات اللوجستية.
ولماذا هذه القطاعات تحديدًا؟
اختيار قطاعات النقل والطاقة والصناعة ليس عشوائيًا؛ إذ إن قطاع النقل يرتبط مباشرة بموقع مصر كمركز إقليمي يربط إفريقيا بالمتوسط والخليج، والطاقة أصبحت جزءًا من الأمن القومي الأوروبي بعد الحرب الأوكرانية، بينما الصناعة تعكس رغبة أوروبية متزايدة في بناء شراكات إنتاجية خارج القارة ضِمن فضاءات مستقرة وقريبة جغرافيًا.
فرنسا تدرك أن مصر ليست مجرد سوق استهلاكية كبيرة، بل دولة تمتلك قدرة على التحول إلى منصة صناعية ولوجستية إقليمية.
وما الأثر السياسي لهذه الاستثمارات؟
من زاوية سياسية، هذه الاستثمارات تمنح العلاقة الثنائية نوعًا من "الترابط البنيوي"، أي أن العلاقة لم تعد قائمة فقط على التعاون الأمني أو التفاهم السياسي، بل أصبحت مرتبطة بمصالح اقتصادية طويلة الأمد، وهذا عادة ما يجعل العلاقات أكثر رسوخًا واستمرارية.
لكن نجاح هذه الاستثمارات سيبقى مرتبطًا بقدرة الطرفين على تحويلها إلى شراكات تنموية حقيقية تخلق فرص عمل وتنقل التكنولوجيا؛ لأن التحدي اليوم ليس حجم الأموال فقط، بل طبيعة الأثر الذي ستتركه على المجتمع والاقتصاد.
في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية، هل ترين أن القاهرة وباريس تمتلكان رؤية مشتركة حقيقية للتعامل مع هذه الأزمات، أم أن التنسيق بينهما يظل محدودًا؟
هناك بالفعل تقاطع مهم في الرؤية بين القاهرة وباريس، لكن يجب التمييز بين "التطابق الكامل" و"التقاطع الإستراتيجي"، لا أعتقد أن هناك تطابقًا كاملًا، لكن هناك أرضية مشتركة واسعة تتوسع أكثر مع تصاعد الأزمات.
في الملف الفلسطيني مثلًا، نلاحظ أن فرنسا، رغم موقعها الغربي والتزاماتها الأوروبية، بدأت تدرك بشكل متزايد أن تجاهل منطق الحل السياسي وحقوق الفلسطينيين لم يعد قابلًا للاستمرار، خاصة بعد الانفجار الإنساني والسياسي الذي شهدته غزة، هنا يبرز الدور المصري كطرف يمتلك خبرة تاريخية وقنوات تواصل وقدرة فعلية على إدارة التوازنات المعقدة.
وأيضًا في ملفات مثل ليبيا وشرق المتوسط وأمن الملاحة في البحر الأحمر، هناك إدراك فرنسي متزايد بأن استقرار مصر ليس مسألة محلية، بل عنصر أساسي في استقرار الفضاء المتوسطي بأكمله.
هل ثمة حدود لهذا التقارب؟
بالطبع، فإن فرنسا تتحرك ضِمن منظومة أوروبية وأطلسية معقدة، وهذا أحيانًا يحد من قدرتها على تبني مواقف مستقلة بالكامل، بينما مصر تتحرك انطلاقًا من حسابات إقليمية وسيادية أكثر مباشرة، لذلك نرى أحيانًا تفاوتًا في سرعة المقاربة أو في سقف المواقف السياسية، لكن ما يجمع القاهرة وباريس اليوم هو اقتناع متزايد بأن المنطقة لم تعد تحتمل إدارة الأزمات بالمنطق التقليدي القديم، وأن المطلوب هو بناء توازنات جديدة تقوم على منع الانهيار الشامل للدول وإعادة الاعتبار للحلول السياسية.
ولهذا السبب تحديدًا، أرى أن زيارة الرئيس ماكرون إلى مصر يجب قراءتها كجزء من محاولة فرنسية لإعادة تثبيت حضورها في الشرق الأوسط عبر شراكات إقليمية مستقرة ووازنة، وفي مقدمتها مصر.