الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

"مصر في قلب القلب".. مستشار أوروبي: القاهرة مرشحة لتكون محور النظام الدولي الجديد

  • مشاركة :
post-title
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في القاهرة - أبريل 2025

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يرى المستشار في البرلمان الأوروبي عبد الغني العيادي، أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة تتجاوز في دلالاتها إطار العلاقات الثنائية التقليدية، لتكشف عن إعادة رسم عميقة لخريطة التحالفات الأوروبية، ومصر في قلب هذه المعادلة.

  • كيف تقرأ زيارة الرئيس ماكرون إلى القاهرة في ضوء المشهد الجيوسياسي الراهن؟

زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى القاهرة لا يمكن قراءتها فقط في إطار العلاقات الثنائية التقليدية بين باريس والقاهرة، بل يجب وضعها ضمن تحولات جيوسياسية أوسع يعيشها الفضاء الأورومتوسطي منذ حرب أوكرانيا، واضطرابات البحر الأحمر، وتراجع النفوذ الأوروبي في الساحل الإفريقي. 

أوروبا، من خلال فرنسا، تبني تحالفات جديدة في أفق التأسيس لقطب جيوسياسي وازن في إطار نظام دولي متعدد الأقطاب ومتوازن القوى، وتسعى للتحول من قوة داخل قوة إلى قوة مركبة دولية، والشرق الأوسط في قلب المعادلة، ومصر في قلب القلب.

المستشار في البرلمان الأوروبي عبدالغني العيادي
  • ماذا تريد أوروبا فعلًا من مصر في هذه المرحلة؟ وهل الزيارة الفرنسية تعكس موقفًا أوروبيًا موحدًا؟

أوروبا اليوم تبحث عن "شركاء استقرار" في جنوب المتوسط، ووفق أرقام المفوضية الأوروبية، يمرّ نحو 20% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات العالمية عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل استقرار مصر جزءًا من الأمن الاقتصادي الأوروبي نفسه.

بعد حرب أوكرانيا، خسرت أوروبا جزءًا مهمًا من أمنها الطاقي التقليدي، وبدأت تبحث عن إعادة تموقع إستراتيجي في فضاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا "مينا"، وهنا تظهر مصر باعتبارها أكبر سوق عربية بما يفوق 110 ملايين نسمة، وصاحبة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وفاعلًا مركزيًا في ملفات غزة وليبيا والسودان والهجرة والطاقة.

أما بخصوص ما إذا كانت المبادرة فرنسية منفردة، فأعتقد أن باريس تتحرك داخل إطار أوروبي عام حتى وإن احتفظت بهامشها الخاص، فهي تدرك أنها آخر قوة أوروبية لا تزال تمتلك طموحًا جيوسياسيًا مستقلًا في المتوسط وإفريقيا، والرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك قال يومًا: "إذا احترق المتوسط فلن تنجو أوروبا من الدخان"، وهذه العبارة تختصر إلى حد بعيد العقل الإستراتيجي الأوروبي الحالي تجاه مصر والمنطقة.

  • هل يمكن اعتبار مصر اليوم بوابة أوروبا نحو إفريقيا والجوار الجنوبي؟

بالتأكيد، نحن أمام تشكّل تدريجي لما أسميه "سيناريو أوروبا - مينا"، أي انتقال أوروبا من مجرد شريك اقتصادي للمنطقة إلى فاعل يسعى لإعادة بناء عمقه الإستراتيجي جنوب المتوسط، والاتحاد الأوروبي يعلم أن إفريقيا ستكون بحلول 2050 موطن ربع سكان العالم، وأن التنافس عليها بين الصين وروسيا وتركيا والخليج يتسارع بشكل غير مسبوق.

في هذا السياق، تتحول مصر إلى عقدة لوجستية ومنصة طاقية ومحور عبور نحو إفريقيا والبحر الأحمر والخليج، ويكفي التذكير بأن قناة السويس تمرّ عبرها سنويًا تجارة تتجاوز قيمتها تريليون دولار، وأن مصر أصبحت خلال السنوات الأخيرة مركزًا إقليميًا للغاز في شرق المتوسط، وحتى في ملف الهجرة تنظر أوروبا إلى القاهرة كشريك أمني أساسي.

  • كيف تتوافق الشراكة المصرية الفرنسية مع مسار العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي ككل؟

العلاقة المصرية الفرنسية اليوم هي جزء من تحول أوسع داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، إذ في السنوات الأخيرة انتقلت بروكسل من مقاربة تقوم على "الدروس السياسية" إلى مقاربة تقوم على "البراجماتية الإستراتيجية".

الاتحاد الأوروبي وقّع مع مصر خلال 2024 شراكة إستراتيجية شاملة بقيمة تقارب 7.4 مليارات يورو، تشمل الاستثمار والطاقة والهجرة والأمن الغذائي والتحول الأخضر، وهذا الرقم وحده يكشف أن أوروبا لم تعد تنظر إلى مصر كدولة جوار فقط، بل كشريك إستراتيجي في إعادة تشكيل المجال الأورومتوسطي.

وفرنسا تلعب هنا دور "القاطرة السياسية" داخل أوروبا، خصوصًا بعد تراجع الدور الألماني نسبيًا بسبب الأزمات الاقتصادية والطاقة.

  • الاستثمارات الفرنسية المرتقبة بقيمة مليار يورو في قطاعات النقل والطاقة والصناعة.. هل تراها مجرد صفقات تجارية أم إستراتيجية أوروبية أشمل؟

أعتقد أنها جزء من إستراتيجية أوروبية أشمل تتجاوز المنطق التجاري البحت، حين تستثمر أوروبا في النقل والطاقة والموانئ والصناعة في مصر، فهي عمليًا تستثمر في تأمين سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على آسيا، وضمان موطئ قدم اقتصادي في جنوب المتوسط.

هناك اليوم حديث متزايد داخل المؤسسات الأوروبية عن ضرورة بناء ما يسمى "Nearshoring méditerranéen"، أي نقل جزء من القدرات الصناعية الأوروبية نحو الضفة الجنوبية للمتوسط لتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالصين وآسيا.

من هذا المنظور، تبدو مصر مرشحة لتكون أحد أهم المراكز الصناعية واللوجستية المرتبطة بالسوق الأوروبية خلال العقد المقبل، وأعتقد أن باريس تدرك جيدًا أن معركة النفوذ المقبلة في المتوسط وإفريقيا لن تُحسم فقط بالسلاح أو الدبلوماسية، بل أيضًا بالبنية التحتية والاستثمار والطاقة.