في تحول لافت في أجندة النقاشات الاقتصادية الدولية، برزت قضية تأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وعلى رأسها العناصر الأرضية النادرة، كأحد المحاور الرئيسية التي أشار إليها وزير التجارة الفرنسي خلال اجتماعات مجموعة السبع، وهو ما يعكس تغيرًا واضحًا في أولويات القوى الكبرى، التي اعتادت التركيز في مثل هذه الاجتماعات على ملفات الطاقة التقليدية، كالبترول والغاز الطبيعي.
وقال رامي خريس، محلل أسواق الطاقة، إن هذا الطرح الجديد يأتي في وقت يواجه فيه العالم بالفعل أزمة طاقة متفاقمة، ما يثير تساؤلات حول كيفية استقرار الأسواق؛ في ظل إضافة عنصر جديد إلى معادلة التحديات، وهو تأمين المعادن النادرة التي تدخل في صناعات إستراتيجية، من التكنولوجيا المتقدمة إلى الصناعات العسكرية والطاقة المتجددة.
وأضاف "خريس"، في تصريحات لقناة "القاهرة الإخبارية"، أن هذا التوجه يعكس تحولًا أعمق في التفكير الإستراتيجي للدول الكبرى، حيث لم تعد سلاسل الإمداد مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبحت ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي، فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وفرضية إغلاق مضيق هرمز، ستجد الدول نفسها مضطرة للتعامل مع كل ما يتعلق بإمدادات الطاقة والتجارة، بما في ذلك المعادن الحيوية؛ باعتبارها أولوية قصوى لا تحتمل المخاطرة.
اهتمام أوروبي
وأوضح أن الاهتمام الأوروبي المتزايد، والذي عبّر عنه وزير التجارة الفرنسي، يعكس إدراكًا متناميًا بأن العالم قد يكون على أعتاب مرحلة جديدة، تُعاد فيها هيكلة نظام الطاقة العالمي، وربما نظام التجارة الدولية ككل، فإغلاق محتمل لممر إستراتيجي بحجم مضيق هرمز من شأنه أن يعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة، ويدفع الدول إلى تبني سياسات أكثر تحفظًا، تقوم على تنويع مصادر الإمداد، وتقليل الاعتماد على مسارات أو شركاء بعينهم.
وأشار إلى أن مسألة العناصر الأرضية النادرة تبدو أكثر تعقيدًا، في ظل هيمنة الصين على إنتاجها عالميًا، ما يمنح بكين نفوذًا اقتصاديًا وإستراتيجيًا كبيرًا، ومن هنا، قد تعكس التصريحات الفرنسية أيضًا توجهًا أوروبيًا نحو إعادة صياغة العلاقات التجارية، سواء عبر تنويع الشركاء أو حتى السعي إلى تعزيز التعاون مع الصين، وفقًا لما تفرضه المصالح الاقتصادية والضغوط الجيوسياسية.
ويرى "خريس" أن إدراج المعادن النادرة ضِمن أولويات النقاش في مجموعة السبع لا يُعَد مجرد تطور عابر، بل مؤشرًا على تحول هيكلي في فهم الأمن الاقتصادي العالمي، حيث تتقاطع الطاقة، والتجارة، والتكنولوجيا، في معادلة واحدة عنوانها: "سلاسل الإمداد كأمن قومي".
مجموعة السبع
وقالت خمسة مصادر مطلعة لوكالة "رويترز"، إن دول مجموعة السبع تجري محادثات لإنشاء أمانة دائمة لضمان استمرار المبادرات الرامية إلى زيادة إمدادات المعادن الإستراتيجية لما بعد انتهاء فترات الرئاسة الدورية للمجموعة.
وتسعى الدول المتقدمة في أنحاء العالم إلى تقليل اعتمادها على الصين التي تهيمن على إنتاج المعادن اللازمة للدفاع، والتحول في مجال الطاقة، والتصنيع.
واتفقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الشهر الماضي، على تعزيز التنسيق بينهما بشأن المعادن الإستراتيجية، لكن اثنين من المصادر المطلعة على المناقشات قالا إن أوروبا رفضت فكرة إنشاء مخزون مشترك موحد، وفضلت أن يتحكم كل بلد في احتياطاته الخاصة.
واجتمع وزراء تجارة مجموعة السبع في باريس، يومي الثلاثاء والأربعاء، لمناقشة قضايا مثل المعادن الحيوية والطرود البريدية التجارية الصغيرة، ولكن من دون التطرق مباشرة إلى أحدث تهديد أمريكي بفرض رسوم جمركية إضافية على المركبات الأوروبية.
ويأتي الاجتماع الثاني لوزراء التجارة في ظل رئاسة فرنسا للمجموعة، وفيما يشهد الاقتصاد العالمي اضطرابًا واسعًا يعززه إغلاق مضيق هرمز.